الرقّة معركة القرار الصعب

على عكس ما يتّم تداوله بأنّ داعش تمسك بزمام الأمر , فإن عملياتها ضد الجيش السوري جاءت كردّ على اعمال عسكرية باشر الجيش السوري بها لتقطيع أوصال داعش في دير الزور والحسكة سنتعرّض لها في سياق البحث .
الفرقة 17 المتموضعة شمال مدينة الرقّة , اللواء 93 قرب عين عيسى التي تبعد عن الرقّة شمالاً حوالي 45 كلم  , مطار الطبقة غرب الرقّة والذي يبعد عن مركز المدينة 45 كلم .

ثلاثة مواقع عسكرية للجيش العربي السوري تشكل نقاط مثلث دون اضلاع , لا طرق امداد بريّة لها , ويتم ايصال الذخائر والتموين لهذه المواقع عبر الجو .

تحاصر داعش هذه المواقع الثلاثة من كل الجهات منذ أمد بعيد , وفي ظل انشغال داعش بمعارك الإمتداد داخل العراق وبعد حصولها على الكثير من معدات واسلحة الجيش العراقي وذخائره لم تشهد المنطقة اية صدامات بين داعش والجيش السوري .

بداية : ماذا تملك داعش من إمكانيات بمواجهة الجيش العربي السوري في هذه المواقع ؟.
ممّا لا شك فيه ان داعش وبعد تحقيقها إنجازات كبيرة في العراق استطاعت الإستيلاء على اعداد كبيرة من آليات الهامفي المرنة وسريعة الحركة وعدد كبير من سيارات الدفع الرباعي المجهزّة برشاشات ثقيلة تؤمن قدرات نارية جيدة من الثبات والحركة , إضافة الى إمتلاكها عدداً لابأس به من الدبابات ومنها بعض دبابات من طراز ابرامز العراقية يؤمن لداعش قوة صدم نارية , مع عدد كبير من مدفعية الميدان وبعضها محمول , وكميات من مدافع الهاون وراجمات الصواريخ .

كما تمتلك داعش منظومة مضاد للطيران من النوع المحمول على الكتف وعدد كبير من الرشاشات المضادة للطائرات وبعضها من نوع شيلكا المحمول على عربة مدرعّة والمعروف بغزارة ناره ودقته .
ولا يغيب عن بالنا الاعداد الكبيرة من المقاتلين الذين اثبتوا في الميدان وحشية لا متناهية وقلوباً لا تعرف الرّحمة , وانا هنا لا اروّج لقدرات داعش بقدر ما أُشير الى ضرورة عدم الإستهانة بقدراتهم .

وتحاول داعش من خلال هجومها على الفرقة 17 ان تقرّر مكان وزمان المعركة وهي ميزة على الجيش العربي السوري افقادهم اياّها من خلال خوض المعركة التصادمية عبر الإقتراب والإندفاع بقوة الحركة والنار بين صنوف الأسلحة المختلفة البرية والجويّة .

بدأت داعش المعركة في كل من مدينتي الحسكة والرقّة , حيث قامت بمهاجمة مقّر حزب البعث العربي الإشتراكي في الحسكة والفوج 121 المتمركز جنوب مدينة الحسكة , كما باشرت هجومها على الفرقة 17 من ثلاث جهات ( الشرق والغرب والجنوب ) بادئة هجومها بعمليتين انتحاريتين في سيارة وشاحنة فشلتا في تحقيق الهدف لإستطاعة القوات المدافعة عن الفرقة اصابة السيارتين بصاروخي م – د .

وكان الهدف المباشر لهذين السيارتين هو احداث حالة رعب وصدمة في صفوف المدافعين من الجيش السوري .
الوابل الكبير الذي صبه مقاتلو داعش من قذائف المدفعية والصواريخ يؤكد نيتهم  تحقيق انتصار على الفرقة 17 .

قرار داعش لم يأتي من الفراغ فهو يشكل ردّا على العمليات التي يقوم بها الجيش السوري في ريف الحسكة الجنوبي وريف دير الزور الغربي والذي تمثّل بسيطرة الجيش السوري على قرية عيّاش .
ولا يغيب عن بالنا ايضاً الهجوم الذي شنّته داعش على الفوج 121 المتمركز جنوب الحسكة والذي انطلقت منه عدّة عمليات , اشارة الى أنّ موقع الفوج يقع على مرتفع يتيح له الإشراف على مساحات واسعة من ألأرض .

في مكان ما القليلون هم الذين يدركون انّ قراراً على مستويات عالية اتخّذ للبدء بعمليات تحجيم داعش في المراحل الأولى عبر تقطيع أوصالها وإجبارها على القتال في مناطق متعددّة وبخيارات الجيش السوري .
والذي يؤكد كلامنا أنّ الجيش السوري استعاد السيطرة على العديد من التلال المحيطة بحقل الشاعر للغاز ووضعه كل مواقع داعش تحت الضربات الجويّة والمدفعية بشكل دائم شمال شرق جبل الشاعر في عقيربات ومحيطها , كما لا بدّ من الإشارة الى المعارك التي تدور قرب مطار كويرس بين داعش والجيش السوري .

إذن المسار الذي تسلكه المعركة يختلف تماماً عما يتم ترويجه مع الإشارة الى أن معركة بهذا الحجم قد يتخللّها إخفاقات في أماكن ضعيفة .
داعش في هذه المعركة تستخدم الوسائل الإعلامية بشكل كبير وهو سلاح تحاول من خلاله تحقيق خفض الروح المعنوية للموالين للحكومة السورية واحداث حالة من الفوضى , وما عرض داعش لرؤوس الجنود السوريين الاّ محاولة لإحداث الرعب والخوف .

في التقدير الذي يتجاوز المعارك التكتيكية والتفصيلية لا بد من الإشارة الى أنّ الجيش السوري يمتلك القدرة على حسم المعركة على المدى المتوسط والبعيد لوقوع المعارك في مناطق مفتوحة اقلّه في مناطق المسير والإقتراب تسمح لوحدات الجيش السوري ان تنفذ عمليات واسعة من الحركة بالتعاون مع المروحيات والطيران الحربي وكون الجيش السوري قادر على مواكبة الرتل الذي يتحرك بإتجاه الرقّة بوحدات المدفعية المحمولة وراجمات الصواريخ .

العقدة الوحيدة التي يجب على الجيش تجاوزها هي تأمين طرق اقترابه بشكل دائم وعدم السماح لداعش بتحقيق اختراقات في طرق الإقتراب , وهذا لا يتم الاّ عبر ابقاء الطرقات تحت رقابة سلاح الجو وطائرات الاستطلاع بدون طيار مع زرع وحدات اشتباك ومراقبة في المناطق المرتفعة والمشرفة .

انها معركة القرار الصعب التي على الجيش السوري خوضها رغم قسوتها وشدتها .
هي المعركة التي لا بدّ منها وان كانت ستؤثر في بعض مراحلها على زخم عمليات الجيش في مناطق أخرى من سورية .

وحتى لا يتفاجأ البعض فقد تكون احد القرارات هي اعادة نشر وحدات الفرقة 17 في مواضع انتشار جديدة , وهو تدبير تلجأ اليه الجيوش في الكثير من المعارك ويعود اتخاذ القرار في هكذا حالات للقادة الميدانيين بعد اعلام القيادة العليا .

*ضابط سابق ( خريج الأكاديمية العسكرية السوفياتية) .

سلاب نيوز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.