لغز الزمن: لماذا يسير الزمن نحو المستقبل وليس الماضي؟!

لغز الزمن: لماذا يسير الزمن نحو المستقبل وليس الماضي؟!

علي عبود_ سوريا الاعلامية

لماذا يختلف الماضي عن المستقبل؟ لماذا بإمكاننا تذكر ما حدث بالأمس، بينما لا نستطيع تذكّر ما سيحدث غداً؟ لماذا نولد ثم نكبر ثم نموت، وليس العكس؟ ولماذا نرى عندما نضع مكعبات من الثلج في كأس من الماء أن هذه المكعبات الثلجية تذوب بعد زمن معين لتصبح ماءً سائلاً، بينما لا نرى مكعبات ثلجية تتكوّن من تلقاء نفسها في كأس من الماء؟ لماذا نستطيع كسر بيضة وخلط صفارها ببياضها بسهولة شديدة، بينما نعجز عن إعادة بيضة مكسورة إلى وضعها الطبيعي؟

ربما لاحظت عزيزي القارئ أن جميع الأحداث السابقة تشترك في أمر واحد، وهو أنها تسير في اتجاه واحد محدد نحو الأمام بحيث يكون من غير الوارد أن نراها تحدث بالشكل المعاكس. وبلغةٍ أخرى: فإن هذا الأمر يعبر عن حقيقة بديهيّة تقول بأن للزمن اتجاهٌ واحدٌ محددٌ من الماضي إلى المستقبل، ولا يمكننا عكس هذا الاتجاه، والأسئلة السابقة تبحث عن السبب وراء سير الزمن بهذا الاتجاه بالتحديد وعجزنا عن عكس سهم الزمن.

إنّ الزمن يعتبر واحداً من بين المفاهيم الأكثر غموضاً بين المفاهيم الفيزيائية، فرغم ما توصلنا إليه من تقدم كبير نسبيّاً في فهم الطبيعة، إلا أن طبيعة الزمن لا تزال من الأمور التي تحتاج إلى الكثير من البحث والنقاش. ففي الواقع لا يوجد هناك أي قانونٍ فيزيائيٍ أساسيٍ يمنعنا من أن نعيد بيضة مكسورة إلى وضعها السليم. بل إن قوانين الفيزياء تنص على أن أي حدث يمكن أن يجري بصورة معاكسة تماماً. فلماذا إذا لا نستطيع أن نعيد تلك البيضة المكسورة إلى وضعها السليم؟

قد يبدو هذا السؤال والأسئلة السابقة بسيطة أو ربما ساذجة، ولكن رغم بساطة هذه الأسئلة إلا أنّها تحمل في طيّاتها بعضاً من أعمق أسرار الكون، لدرجة أن الإجابة عنها تتطلب العودة إلى اللحظات الأولى لميلاد الكون، وصولاً إلى أعماق الذرّات وفهم تصرّفاتها.

تبدأ قصتنا بالعالم الانجليزي إسحاق نيوتن في عام 1666م، فقد أدى انتشار طاعون مميت إلى إغلاق جامعة كامبريدج في بريطانيا، مما اضطر نيوتن أن يغادر جامعة كامبريدج ويلتحق بوالدته التي تسكن في منطقة ريفية تسمى لينكولنشير. انصب نيوتن خلال هذه الفترة على دراسة الفيزياء والرياضيات، وقام بإنجازات عظيمة، فقد وضع ثلاثة قوانين لدراسة حركة الأجسام، سميت هذه القوانين بقوانين نيوتن الثلاثة، وقام كذلك بوضع قانون الجاذبية الذي يفسر رياضياً كيف تنجذب الأجسام ذات الكتلة نحو بعضها البعض.

قامت هذه القوانين بتقديم تفسيرات مذهلة للكثير من الظواهر الطبيعية. فمثلاً لو كانت لدينا معلومات حول موقع القمر وسرعته في لحظة معينة، سيمكننا حينها أن نتنبأ بحركة القمر المستقبلية بدقة كبيرة، وبالتالي يمكننا التنبؤ مثلاً بخسوف القمر قبل حدوثه بسنين كثيرة. وقس على ذلك أي جسم نريد دراسة حركته، كل ما نحتاجه بعض المعلومات عن حالته في لحظة معينة، بعدها نستطيع معرفة حالته في أي لحظة تالية. إلا أن قوانين نيوتن هذه اتصفت بصفة غريبة، فقد كانت تعمل بشكل عكسي أيضاً!

بمعنىً آخر، لو كانت لدينا معلومات حول حالة الجسم في اللحظة الحالية، فإننا نستطيع باستخدام القوانين معرفة كيف كانت حالته في أي لحظة سابقة، أي في الماضي وبالتالي فبالنسبة لمثالنا عن حركة القمر يمكننا معرفة الأوقات التي حدث فيها خسوف للقمر قبل آلاف السنين بنفس الدقة التي نتنبأ بها بحدوثه في المستقبل. هذا يعني أن قوانين نيوتن لم تكترث إذا ما كان الزمن يسير للأمام أو الخلف فقد كانت تتقصى الحالة التي كان عليها الجسم في الماضي تماماً كما كانت تتنبأ بحالته التي سيكون عليها في المستقبل.

ولتوضيح ذلك فإننا نعرف أنّ قوانين نيوتن تخبرنا بالمدار الذي يسلكه القمر حول الأرض بدقة متناهية وإذا ما قمنا بتغيير الاتجاه الذي يسير به القمر فإنه سيسلك نفس المدار الذي كان يسلكه من قبل. مثال آخر لو قمت بتصوير فيديو للقمر وهو يدور حول الأرض ثم قمت بعرض هذا الفيديو بشكل عكسي فإنك لن تتمكن من التمييز بين الحركتين الأصلية والعكسية أو معرفة اتجاه الزمن الحقيقي في كلا العرضين بسبب وجود تماثل تام بين الحركة في حالة الزمن الطبيعي والزمن المعكوس. ينطبق هذا الأمر على كل القوانين والظواهر الفيزيائية، فحتى تلك البيضة التي كُسرت وتبعثرت لو تمكنّا بطريقة ما أن نعكس اتجاه السرعة لكل جزيء من الجزيئات المكوّنة لهذه البيضة فإن ما سيحدث بعد ذلك هو أن حركة جزيئاتها ستعمل على إعادة البيضة المكسورة إلى شكلها الأصلي الطبيعي هذا من الناحية النظرية طبعاً.

تقريباً كل نظريات الفيزياء منذ نيوتن اتسمت بنفس الصفة فهي لا تكترث باتجاه الزمن سواء كان نحو المستقبل أو نحو الماضي. دائماً ما تعطي نتائج صحيحة في الحالتين. وتسمى هذه الخاصية للقوانين الفيزيائية بالتناظر الزمني.

ولكن عندما يتعلق الأمر بحياتنا اليومية نجد أن الأمور تختلف، فبالتأكيد يوجد هناك اتجاه محدد للزمن ونستطيع بسهولة إدراك الفرق بين الماضي والمستقبل. حيث يتضح إذاً أننا أمام معضلة حقيقيّة، ففي حياتنا اليومية نلاحظ أن للزمن اتجاه محدداً من الماضي إلى المستقبل، لكننا لا نلحظ هذا الأمر في قوانين الفيزياء التي من المفترض أنها تصف الظواهر المختلفة في حياتنا اليومية، فقد وجدنا أن هذه القوانين لا تكترث باتجاه الزمن بل تعمل في كلا الاتجاهين. تُرى ما السبب في هذا الاختلاف بين خواص القوانين الفيزيائية وما نعايشه من أحداث واقعية؟!

تأخذنا قصتنا إلى بطلها الثاني، وهو الفيزيائي النمساوي لودفيغ بولتزمان. يُعتبر بولتزمان واحداَ من الأعمدة الأساسية للفيزياء الحديثة، فهو أول من حاول أن يستخدم مفهوم الذرة بشكل علمي لتفسير الظواهر الفيزيائية، وقد قام بتأسيس علم الميكانيكا الإحصائية وله إسهامات كبيرة في علم الديناميكا الحرارية، بل إنه يعتبر من أوائل المنظرين لميكانيكا الكم حين تنبأ بأن مستويات الطاقة للأنظمة الفيزيائية قد تكون منفصلة وليست متصلة (وهذه الفرضية هي أساس لميكانيكا الكم).

في ذلك الوقت، كان الفيزيائيون يعملون على نظرية تفسر سلوك وانتقال الحرارة بين الأجسام والتي تسمى اليوم بنظرية الديناميكا الحرارية، حيث اعتقد الفيزيائيون في ذلك الوقت أن الحرارة شيء أساسي لا يمكن تفسيره بأشياء أخرى، فكانت أشبه ما تكون بمائعٍ له وجود حقيقي وينتقل حسب قوانين معينة، أي أن الحرارة مفهوم أساسي لا يمكن التعبير عنه بدلالة مفاهيم أبسط.

بولتزمان كان يؤمن بالوجود الحقيقي للذرات في الوقت الذي كان أغلب الفيزيائيون غير مقتنعين بأن الذرات موجودة أو أنها هي المكوّن الأساسي للطبيعة، وذلك لكونها فرضية غير قابلة للاختبار، وبدلاً من ذلك كانوا يعتبرون الطاقة كمكوّن أساسي للكون. فحاول بولتزمان أن يستخدم مفهوم الذرات لتفسير الحرارة وأخذ يثبت لهم أن الذرات هي المكوّن الأساسي للمادة، وأنّ الحرارة ليست إلا الحركة العشوائية لهذه الذرات، وأنه يمكن تفسير كل نظرية الديناميكا الحرارية بناءً على هذا الأساس. لقد كان بولتزمان محقاً تماماً إلا أنه احتاج الكثير من الوقت ليقنعهم بأفكاره.

لكن ما علاقة هذه الأمور بموضوعنا الأساسي حول الزمن واتجاهه؟ حسناً، لقد حاول بولتزمان استخدام مفهوم الذرات لتفسير أحد المفاهيم العجيبة التي تناولها علم الديناميكا الحرارية، وهو القصور الحراري (الإنتروبي).

فمن الحقائق الأساسية التي نتجت عن علم الديناميكا الحرارية هي أنه لا يمكن أن يحدث انتقال تلقائي للحرارة من جسم بارد إلى جسم أكثر سخونة بدون تدخل خارجي. وقد كان هذا القانون تجريبي بديهي ويعُرف بالقانون الثاني للديناميكا الحرارية، ويعتبر من المسلّمات التي لا تحتاج إلى تفسير أعمق. وللتعبير عن ذلك بشكل رياضي قام العلماء بافتراض كمية فيزيائية تُسمى القصور الحراري، ولعلّ هذا المفهوم يعتبر واحداً من أغرب المفاهيم في الفيزياء بشكل عام. فهو غير قابل للقياس كغيره من الكميات الفيزيائية الأخرى، ولكن يمكن حسابه رياضياً لأي جسم أو نظام فيزيائي. وباستخدام هذا المفهوم أصبح نص القانون الثاني للديناميكا الحرارية ينص على أن لكل نظام فيزيائي معزول كمية محددة من القصور الحراري المصاحبة له، وأيّاً كان ما يحدث لهذا النظام فإن كمية القصور الحراري المصاحبة له إما ستزداد أو تبقى ثابتة ولكن من المستحيل أن تنقص مع مرور الوقت.

لم يكن من الممكن في ذلك الوقت إيجاد معنى فيزيائي بلقصور الحراري أو تفسير السبب وراء هذه الزيادة العجيبة لها، فاكتفى العلماء وقتها باعتباره مفهوما مجرّدا وأن زيادته تعتبر حقيقة أساسية في الطبيعة ولا يمكن تفسيرها باستخدام أي شيء آخر. إلا أن هذا الأمر لم يُرضِ بولتزمان الذي حاول بكل جهده أن يجد تفسيراً أعمق القصور الحراري ولهذه الخاصية العجيبة التي يتميز بها (أي زيادته مع مرور الوقت). لذا فقد حاول استخدام فكرة الذرات لتفسير هذا المفهوم.

وبعد جهد جهيد، وجد بولتزمان أن القصور الحراري ما هو إلا مقياس لعدد الطرق التي يمكن ترتيب الذرات وطاقاتها بها. أو بلغةٍ أخرى، إن القصور الحراري هو مقياس للعشوائية. وبهذا فإن القانون الثاني للديناميكا الحرارية يشير إلى أنّ الأشياء تميل لأن تصبح أكثر فوضويةً أو عشوائيةً. هذا الأمر سيساعدنا للإجابة عن أسئلتنا السابقة، ولنفهم ذلك دعنا نطرح السؤال مرة أخرى، لماذا تذوب قطعة الثلج وتتحول إلى الماء السائل؟

عندما يكون الماء في حالة سائلة، فإن التباعد بين جزيئاته وحركتها تكون أكبر من التباعد بين جزيئات الماء المثلج التي تكون أكثر اصطفافاً وأقل حركة، مما يسمح لجزيئات الماء السائل بحرّية أكبر في الحركة، وبالتالي فإن الطرق التي من الممكن أن تترتب بها جزيئات الماء السائل أكثر بكثير من الطرق التي تترتب بها جزيئات الماء المثلج. ولتوضيح ذلك أكثر، يمكن أن نشبّه جزيئات الماء بمجموعة من مكعبات الليغو لتمثيل الحالة الثلجية، يجب أن يتم تجميع هذه المكعبات لتشكّل معاً مكعبا كبيرا. بينما يمكن في الحالة السائلة إن تتفكك هذه المكعبات وتكوّن معاً شكلا عشوائيا.

بالتأكيد فإن الطرق الممكنة لعمل شكل عشوائي (الحالة الثانية) أكثر بكثير من الطرق الممكنة لتجميعهم بحيث يشكلون مكعباً كبيراً (الحالة الأولى)، أي أن القصور الحراري (العشوائية) في حالة تشكيل المكعب الكبير يكون أقل من القصور الحراري في حالة تجميع الشكل الحر، و في حال أخذنا مجموعة من المكعبات التي تشكّل مكعبا كبيرا و وضعناها في صندوق و أغلقناه وبدأنا بهز هذا الصندوق بعنف فإنه على الأغلب سنجد المكعبات قد تفككت لتنتج شكلا عشوائيا مخالفا لشكل المكعب الكبير بعد فتح الصندوق. والسبب هو أن طرق تشكيل الشكل العشوائي أكبر بكثير من طرق تشكيل مكعب كبير.

وبالعودة إلى الماء والثلج، يمكننا القول إن الثلج يذوب في الماء لأنّ الطرق الممكنة لذوبان الثلج أكثر بكثير من الطرق الممكنة ليبقى على حالته الصلبة، بحيث يكون الأكثر احتمالاً وترجيحاً هو أن يسلك الثلج طريقاً يؤدي إلى ذوبانه. وبالمثل فإننا لا نرى بيضة مكسورة ترجع إلى حالتها السليمة لأن هناك الكثير من الطرق الممكنة لترتيب جزيئات البيضة، وتقريباً كل هذه الطرق ستؤدي في النهاية إلى بيضة مكسورة بدلاً من واحدة سليمة. وحتى في الحالات التي يبدو لنا فيها أن الأمور تصبح أكثر انتظاماً، فإن النظر للأمور بشكل أوسع يبيّن لنا أن المحصلة هي زيادة في عدم الانتظام أو العشوائية.

ومثال على ذلك هو أنك حينما تقرأ هذا المقال وتتذكر كل كلمة فيه فإن دماغك يكون قد سجّل ما يقرب من عشرة آلاف قطعة من المعلومات باعتبار أن كل حرف هو معلومة، أي أن النظام قد زاد في دماغك بمقدار عشرة آلاف وحدة. إلا أنك ستكون في نفس الوقت قد حولت عدداً من السعرات الحرارية المنتظمة على شكل طعام إلى طاقة مضطربة تبعثرت على شكل حرارة تفقدها من حولك، وهذا بدوره سيزيد من اضطراب الكون أضعاف النظام الذي تكوّن في دماغك!

يتضح لنا أن القصور الحراري من وجهة نظر بولتزمان يدور حول ما هو أكثر ترجيحاً للحدوث. فالأنظمة التي لها القصور الحراري منخفض تكون مرتبة ومنظّمة، و بالتالي فإنها أقل احتمالاً للحدوث. بينما الأنظمة ذات القصور الحراري الكبير تكون غير مرتبة ولا منتظمة وبالتالي تكون أكثر احتمالاً للحدوث. والسبب في ذلك يرجع إلى أن الطرق الممكنة للوصول إلى عدم الانتظام أكثر بكثير من الطرق الممكنة للوصول إلى حالة الانتظام، مما يفسر ميل الأشياء لأن تصبح أكثر فوضويةً!

إن تفسير بولتزمان للقصور الحراري يفسّر كذلك السبب وراء تذكرنا للماضي وعدم تذكرنا للمستقبل. تخيّل أنك تتذكر حدثاً سيحدث في المستقبل ثم يحدث هذا الحدث ثم تختفي ذكرياتك لذلك الحدث. إن احتمالات حدوث ذلك ضئيلة جداً، وذلك لأن الاتجاه الذي تتذكر به أدمغتنا (أي الماضي) مماثل للاتجاه الذي يزداد فيه القصور الحراري أو الاضطراب. وببساطة شديدة، يمكننا أن نُجْمل ما ذكرناه بالقول بأن القصور الحراري يزداد أو أن الأشياء تميل لأن تصبح أكثر فوضويةً، وسبب ذلك هو أن الطرق الممكنة للوصول إلى الفوضى (قصور حراري كبير) أكثر بكثير من الطرق الممكنة للوصول إلى النظام (قصور حراري قليل).

يتبيّن لنا من وجهة نظر بولتزمان أن القصور الحراري مفهوم إحصائي، أي أن السبب وراء عدم رؤيتنا لبيضة مكسورة تتجمع من تلقاء نفسها لتعود إلى شكلها السليم هو أن احتمالية حدوث ذلك ضئيلة جدا لكنها ليست مستحيلة، فالطرق الممكنة للوصول إلى حالة بيضة مكسورة أكثر بكثير من الطرق الممكنة للوصول إلى حالة البيضة السليمة. لكن من الناحية الأخرى، يمكن أن نستنتج مما ذكرنا أن تلك البيضة ستقضي معظم الوقت مكسورة لكون هذا هو الاحتمال الأكبر، وفي أحيان نادرة جداً ستتجمع جزيئاتها معاً بطريقة تؤدي بها إلى أن ترجع إلى الحالة السليمة لوهلة ثم تعود إلى الحالة المكسورة!
.
ولكن في هذه اللحظة النادرة التي تحولت فيها البيضة المكسورة إلى الحالة السليمة ستكون قد انتقلت من حالة قصور حراري أعلى إلى حالة قصور حراري أقل! تماماً عكس ما ينص عليه القانون الثاني للديناميكا الحرارية، إذ من المفترض أن القصور الحراري إما يزداد أو يبقى ثابتا و لكنه لا يقل. يبدو أننا أمام مشكلة في القانون الثاني للديناميكا الحرارية باستخدام القانون نفسه!

حسناً، إن الحل لهذا الموضوع يكمن في الجانب الآخر للقانون الثاني للديناميكا الحرارية، فالقانون لا يقتصر على أن القصور الحراري غداً سيكون أكبر من القصور الحراري الآن، بل إنه كذلك يشير إلى أن القصور الحراري في الأمس كان أقل مما هو عليه الآن أيضاً. ولك أن تستبدل كلمة غداً وأمس بالمستقبل والماضي على التوالي. وبالتالي فإن هذا التفسير يوضح لنا أن البيضة المكسورة لن تعود لحالتها السليمة، إذ عليها أن تسير دائماً نحو حالة قصور حراري أعلى، وكذلك أن يكون القصور الحراري الخاص بها في لحظة ما أكبر منه في اللحظة السابقة.

ولكن، لماذا يجب أن يكون القصور الحراري في الأمس أقل مما هو عليه الآن؟ يمكن أن نفسر ذلك بالقول أن هذا يحدث لأن القصور الحراري أول أمس كان أقل منه في الأمس! ولماذا ذلك؟ يمكن أن نستمر بإرجاع ذلك في الزمن حتى نصل إلى بداية الكون، وحينها سيكون الجواب النهائي أنه في لحظة ما في الزمن السحيق في بدايات الكون كان القصور الحراري للكون في حالة انخفاض شديد!

يتضح لنا أن القانون الثاني لا يصف المستقبل فحسب في تنبؤه بازدياد القصور الحراري، بل أن يعمل منذ اللحظات الأولى للكون أي أنه يعمل عبر الزمن ككل. والآن نجد أنفسنا أمام سؤال أخير، لماذا كان القصور الحراري الخاص بالكون البدائي منخفضا بهذا الشكل؟ إن هذا السؤال يعتبر واحد من أبرز الأسئلة التي شغلت العلماء منذ بولتزمان وإلى اليوم لا تزال الإجابة لهذا السؤال مجهولة بانتظار تفسير علمي متكامل للموضوع!

من الجدير بالذكر أن بولتزمان صاحب تلك الأفكار والنظريات العظيمة التي نتعامل معها اليوم كأمور بديهية كان قد واجه صعوبة بالغة في إقناع علماء عصره بهذه الأفكار، وقد قوبل في كثير من الأحيان بالسخرية والرفض والنبذ الشديد. لذا فلم يحاول أن يخوض في تلك المسألة الأخيرة كثيراً، وشعر أن كل أعماله سَتُنسى وتضيع. وفي عطلة صيفية في عام 1906، قام بولتزمان بشنق نفسه أثناء نوبة اكتئاب حادة أصابته لينهي بذلك حياة كانت مليئة بإنجازات لم يتسن له أن يستمتع بأي منها! وخلال عقد واحد بعد وفاته أصبحت نظريات وأفكار بولتزمان حول الذرات تحظى بقبول كبير بين الفيزيائيين.

المصدر: http://www.scientificsaudi.com/ss/8306

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

adana escort - escort adana - mersin escort - mersin escort bayan - escort