أسباب نشوء المجتمع المدني الوطني في سورية

أسباب نشوء المجتمع المدني الوطني في سورية

سوريا الاعلامية – مروان كنجو

 

بقلم الدكتور حسام الدين خلاصي

مؤسس الأمانة العامة للثوابت الوطنية في سورية

المجتمع السوري بطبيعته هو مجتمع منتج في كافة المجالات عبر تاريخه الطويل ، امتاز باقترابه من أشكال الحضارة المختلفة ومشاركته لها ، وبالتالي فإن انتاج مسألة فكرية جديدة خلال الأزمات الشديدة ترفد العمل المقاوم والمدافع هي أيضاً من دلائل استمرار الحضارة .

خلال الفترة التي سبقت الأزمة كانت الحياة السياسية الوطنية في سورية تدخل في مرحلة سبات وثقة واستقرار نتيجة طبيعة شكل الحياة السياسية آنذاك والتي اقتصرت على قيادة حزب واحد لمجموعة من الأحزاب ضمن إطار منظم تعود عليه كل من يشتغل في الحياة السياسية وتأقلم معه رغم الانتقادات التي كانت توجه لهذه المنظومة وآلية عملها بصورة أو بأخرى .

وكان من الطبيعي بعد انفتاح العالم والمجتمع على الحداثة والتطوير من خلال وسائل الإعلام التي فيما يعرف الكثيرون أنها خططت ودبرت لتغيير المجتمعات بطريقة ناعمة اعتمدت في خطابها وخططها على منظومة من الأخطاء السياسية والاجتماعية في المجتمع العربي عموماً والسوري خصوصاً .

وبالتالي وبعد أن صنع أعداء سورية قواعد شعبية محدودة العدد لتستجيب للعنف الذي تم فرضه على الأرض السورية تفجرت الأوضاع تحت عنوان عريض سمي آنذاك ( الربيع العربي ) وبدأت الأزمة السورية والتي أذهلت السوريين يومها لسرعة تدحرجها نحو العنف والإرهاب طمعاً في تغيير النظام وتغيير شكل الدولة انطلاقاً من رغبات خارجية مدروسة بدقة وعناية .

هنا تنبه وتنشط السوريون وغالبية المجتمع السوري لضرورة البحث عن طرائق لرفض المؤامرة والتصدي لها فبدأ الحراك المجتمعي في انتاج اشكال جديدة من التجمعات وصور التقاء لكتل بشرية وضعت نصب أعينها هدفاً ثابتاً له الأولوية ألا وهو ( حماية الوطن ) .

ولكن هذه التشكيلات المجتمعية ما إن تشكلت حتى تنبهت لانعدام خبرتها في هذا المجال وإلى الفروقات الفكرية بين المشتركين لأنهم من مشارب سياسية مختلفة وكل منهم يعتمد طريقته لإنقاذ الوطن ، مما دعى بالضرورة لدراسة هذه الظاهرة بعناية لأنها حصيلة سنوات من السبات والرخاء السياسي كما أسلفت في البداية وكان من الصعب جداً أن يثق السوري سياسياً بأخيه السوري لأنهم لم يكونوا في عمل سياسي وطني سابقاً وبالتالي لم تكن تكفي النوايا فقط في مهمة ( حماية الوطن ) .

حتى أن غالبية الأحزاب السياسية في سورية الكبير منها والصغير على الساحة الوطنية افتقر للخطة والتخطيط بعد حدوث الصدمة ولم تظهر من هذه الأحزاب أية خطة طوارئ للتصرف والتحرك سريعاً إزاء ما تتعرض له سورية ،  ناهيك عن عدم توافق هذه الأحزاب الوطنية  مع بعضها البعض في إيجاد خطة للعمل المشترك بينها وخاصة الأحزاب التي كانت مع منظومة الدولة قبل وبعد الأزمة ، الأمر الذي صعب التلاقي مع المعارضة الوطنية لاحقاً كمجموعة وليس كل حزب على حدة ، وكما لاحظنا أن بعض الأحزاب مال لتقسيم نفسه بدلاً من التراص في زمن الحرب وهذا اذكره ليس من باب النقد بل اقوله من باب الإشارة لما كان يتوجب فعله كفريق عمل وليس كفرق .

ومن هنا صارت الضرورة ملحة لحدوث تغيير في التعامل مع حراك الشارع الموالي للوطن ، وصار من الضروري البحث عن القاسم المشترك الأعظم بين السوريين لينتظموا حوله بغض النظر عن اختلافاتهم السياسية سواء كانوا أحزاب صغيرة أم كبيرة معارضة وطنية أم موالاة لأنه بات واضحاً أن الحزبية تفرق بينما الوطنية تجمع وصار واضحاً أن العمل الوطني يفترض وجود تشكيلات سياسية أكبر من حزب وأصغر من وطن .

من هذه الضرورة نشأت فكرة الثوابت الوطنية ( القاسم المشترك بين السوريين ) ، والتي من باب الواقعية السياسية كانت مغيبة عن أذهان السوريين لأنها وكما اعتبرها الكثيرون من البديهيات لذلك لم يتم تداولها وتم نسيانها لا بل قامت الحركة المتمردة العنيفة الارهابية على رفض هذه الثوابت لن التمسك بها بات منسياً من قبل السوريين المحبين لوطنهم بفعل التقادم والنسيان .

ولكن المهمة الأصعب كانت الإجابة على السؤال التالي : أية ثوابت وطنية تجمع السوريين بمختلف مذاهبهم السياسية الوطنية ؟ لأن هناك تيارات نشأت أو قد تنشأ سوف تتلطى خلف مصطلح الثوابت الوطنية مثلا ًوتدس السم في العسل أو تكون قاصرة الرؤية فتتشوه الفكرة وينعدم القاسم المشترك للسوريين . فكان من الضروري نشوء هيئة وطنية ( صناعة محلية بتمويل ذاتي ) مدنية الفكر وعلمانية النهج تقضي على الفكرة السائدة المشوهة حول نشاط المجتمع المدني الذي تم تشويهه لسنوات لأنه كان ممولاً ومدعوما فكرياً من الخارج .

ولأن السوريين رفضوا في غالبيتهم المؤامرة التي حكيت ضدهم من قبل عقول مدبرة فكان من الضروري التفصيل في موضوع الطريقة التي انتهكوا فيها ثوابت الوطن فبنظرة سريعة نجد أن الحراك المدبر ضد سورية انتهك في البداية علم الوطن ثم مقام الرئاسة ثم الجيش العربي السوري ثم مضى في مخططه إلى تقسيم سورية خدمة للصهيونية ، فأتى الرد في الثابت الأول بأن رموز السيادة هي على التوالي ( علم الوطن المعتمد دستورياً ومقام الرئاسة والجيش العربي السوري وقواته المسلحة ووحدة أراضي الجمهورية العربية السورية ) ومن هنا نجد أن هذه الرموز وفق عقلانيتها وتلائمها مع مادبر لسورية تكون ومن منطلق الواقعية السياسية ملائمة لغالبية السوريين المدافعين عن الوطن .

وتوالت الثوابت الوطنية في البيان التأسيسي وفق نفس النهج ونشأت الأمانة العامة للثوابت الوطنية في مدينة اللاذقية أولا ً كهيئة وطنية مدنية مستقلة ثم امتدت فروعها في كامل أنحاء سورية حيث استطاعت نشر فكرها عبر جهود فريق من الوطنيين مقتنع بضرورة البحث عن ما يجمع واعتبرت الأمانة أن التطوع في العمل السياسي لا يقل قيمة عن التطوع في العمل الاجتماعي او الاقتصادي .

وامتازت الأمانة بأنها هيئة تعتمد التجانس في العمر ( شريحة الشباب وشريحة العمر الأكبر) وفي الجنس ( ذكور وإناث ) بين أعضائها  ولا تعتمد أي رفض لأحد طالما يرفض العنف ويستعمل الحوار وانفتحت الأمانة على الحكومة وعلى  المعارضة على حد سواء بنفس الدرجة وأكدت إيجابيات الطرفين ورفضت سلبيات الطرفين عبر خطاب صريح

وأصرت الأمانة على التشاركية كمبدأ لأنها وجدت فيها أحد أفضل طرق الحل والخروج من الأزمة ففي التشاركية في القرار الوطني يتم تحمل المسؤولية من قبل الجميع ( حكومة وشعباً منظماً ) .

وفي الختام كانت ولازلت رؤيتي بأن الحوار هو الحل الشامل والدائم لكل مشاكل السوريين الآن وفي المستقبل ويجب الدفاع عن استعمال لغة الحوار كي تسود ثقافته في المستقبل ومن خلاله فقط يستطيع السوريون مناقشة كل قضايا الوطن .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.