الياسمين الدمشقي ينزف وجعاً وأحلاماً بالرحيل

الياسمين الدمشقي ينزف وجعاً وأحلاماً بالرحيل

تحظى مسلسلات «غداً نلتقي» و«بانتظار الياسمين» و«عناية مشددة» بالنصيب الأوفر من المتابعة خلال شهر الصوم، من بين الأعمال التلفزيونية التي تتناول «الحرب السورية» بعيداً عن المقاربات الساخرة. هذا ما تكشفه أحاديث الشارع السوري، ومواكبات السوريين عبر موقع التواصل الاجتماعي لدراما تستوحي أحداثها من معاناتهم.
في المقابل، ثمّة سوريون أقلعوا عن مشاهدة هذا النوع من الأعمال، بسبب قسوة طرحها، وإيغال بعض مشاهدها في نكئ الجراح، وإبراز أبشع صور الحرب، بينما يحاولون الهرب من مرارة الواقع، بحثاً عن فسحة تسلية ضيقة عبر أعمال خفيفة. بين هذا وذاك، هناك حالة من الإجماع على «غداً نلتقي» (سيناريو إياد أبو الشامات ورامي حنّا، وإنتاج شركة كلاكيت ــ يُعرض على lbci، و«أبو ظبي، وLDC) في ملامسته لهموم اللاجئين السوريين الفقراء على اختلاف انتماءاتهم السياسية، وبعيداً عن الشعارات المختلف عليها، عبر ملاحقة يوميات مجموعة جيران ألقت بهم أقدار الحرب في بناء متهالك في لبنان بانتظار رحلة الهجرة التالية. هؤلاء، يتشاركون البؤس، ويستجرون خيباتهم القديمة التي تعود إلى ماضٍ يأبى مفارقتهم، ويواجهون خيبات جديدة.
الأداء الأخّاذ لمجمل نجوم العمل، واعتناء المخرج رامي حنّا بأدق التفاصيل؛ يجعل المشاهد في حالة ترقب لحلقاته، متعطشّاً لمتابعة مصائر الشخصيّات، خصوصاً «وردة» (كاريس بشّار) التي تتصّدر المشهد ببساطتها، وعفويتها، وجنونها، عبر حكاية حبّها لـ «محمود» (عبد المنعم عمايري)، وحبِّ شقيقه «جابر» (مكسيم خليل) لها، وتناقض أسلوب حياة الشقيقين، واتجاهاتهما السياسية، بينما تجمعهما الخيبة والمرض والحبيبة نفسها. من دون أن نغفل عوامل الجذب الكثيرة في حكايات المسلسل وشخصياته التي يجسّدها باقي الممثلين بأداءٍ منضبط يعيدنا إلى زمن البطولات الجماعية في الدراما السورية.
وفي مسلسل «بانتظار الياسمين» (تأليف أسامة كوكش، إنتاج شركة abc ــ يُعرض على «osn يا هلا»، و«osn يا هلا دراما»، و«دبي»، و«سوريا دراما»، و«تلاقي»)، يجسّد أبطال العمل شخصيّاتهم ببساطة وواقعية واحترافية، أمام كاميرا المخرج سمير حسين.
حكايات تدور حول مهجّري حرب نزحوا من مناطق ساخنة في سوريا، ليتجمعوا في حديقة في قلب دمشق، ويحاولون التأقلم مع واقعهم الجديد، بينما لا يتوقف القدر عن صفعهم مرّة تلو الأخرى. هكذا، تُختطف ابنة «لمى» (سلاف فواخرجي) بالتوازي مع استمرار مأساتها بانتظار خبرٍ عن زوجها الذي ذهب ليحضر ربطة خبز ولم يعد، ويحترق وجه «أم عزيز» (شكران مرتجى) فيهتزّ كيانها كامرأة، ويتهدّد الخطر أطفالها في العراء، كما يتوالى سيناريو الخيبات التي يواجهها «أبوسليم» (غسان مسعود) وعائلته. فبعد أن كان صاحب معملٍ لصناعة صابون الغار، يتحوّل الرجل إلى حمّالٍ في الأسواق، وسط محاولاته اليائسة مع ابنه لتأمين متطلبّات العائلة.
سكّان تلك الحديقة بنوا علاقةً قائمة على التعاطف من جانب المشاهد من خلال حكاياتهم المرّة وأدائهم البعيد عن التكلف، في مواجهة «أبو الشوق» (أيمن رضا) وعصابته الذين يمثلون الشرّ المطلق، ولا يكفّون عن التربّص بهم. هنا، يقع النص نوعاً ما في فخ «الأبيض والأسود» في رسمه لملامح بعض الشخصيّات، فيما تبدو عوالم شخصيّات المدينة الموازية وحكاياتهم أكثر تلوّناً، وسط جهدٍ واضح لإبراز تأثيرات الحرب اجتماعياً واقتصادياً ونفسياً على العائلات السوريّة، ما أدخلها في حالةٍ من انعدام الوزن.
على الضفة الأخرى، تميل الحوارات خارج مسرح القصّة الرئيسي إلى الثرثرة والتطويل، مع أداء مفتعل في أحيانٍ كثيرة. في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى الاختيار الخاطئ لعددٍ من الممثلين، ما أضرّ ببعض خطوط «بانتظار الياسمين» رغم زخم حضور النجوم. ويشوب العمل أيضاً ميل بعض الجمل الحوارية لـ «الكليشيهات» في تغنيّها بالتنوّع السوري الذي «طعنته الحرب في الصميم».
من جهته، يستمر «عناية مشددة» (سيناريو علي وجيه ويامن الحجلي، إخراج أحمد إبراهيم أحمد، وإنتاج شركة «قبنض» ــ يُعرض على nbn، و«حواس»، و«سوريا دراما») بإشعال السوشال ميديا. وتعكس هذه الأصداء أحاديث الشارع حول مسلسل يحظى بمتابعة واسعة منذ الحلقة الأولى. متابعة تتأرجح بين التبني المطلق وإبداء الإعجاب الكبير، وانتقادات كبيرة وصل بعضها إلى حد التطرف في رفض ما يطرحه العمل، وإعلان التوقف عن مشاهدته.
لا يُخفي صنّاع «عناية مشددة» انتهاجهم أسلوب الصدمة بتقديم مقاربتهم لما يجري على الأرض السوريّة. وهذا ما حدث فعلاً مع عرض مشهد تقطيع «هموم» (أمانة والي) لضحيتها التي تحوّلت جثتها إلى قطع للمتاجرة بالأعضاء البشريّة، فيما كان مصير ضحية أخرى في القمامة. لم ينتظر العديد من المشاهدين تقديم مبرّرات لساديّة هذه الشخصيّة، قبل توقّفهم عن المشاهدة، بينما بارك كثيرون آخرون جرأة العمل بتقديم شخصيّات لها مرجعيتها الحقيقية، استناداً إلى ما سمعوه وعايشوه في مناطقهم.
ينسج المسلسل أحداثه عبر تقديم حكايات تتسم معظم شخوصها بالشر أو الخير المطلقين، وسط تأكيدات القائمون عليه أنّ الأحداث مستوحاة من «واقع سوريا الأليم». هكذا، لا تمرّ حلقة من العمل من دون الإيغال بالوجع السوري.
تبدو خطوط «عناية مشدّدة» وأحداثها غزيرةً وخاطفة، الأمر الذي يوقع المتلقي في حالة توهان، كما أنّ هذه الخطوط تحتاج إلى ممثلين متمكنّين لتقديمها بما يوازي زخمها. وهنا تكمن نقطة الضعف الأبرز، إذ جاء أداء عددٍ كبيرٍ منهم باهتاً ومتعثّراً في مجارات الأحداث، وربمّا يعود الأمر هنا لأسبابٍ إنتاجية حالت دون استقطاب الممثلين الأفضل لأداء الأدوار المناسبة. ويستثنى من ذلك الأداء المميّز لعباس النوري بشخصية «أبو معتصم» البعثي الفاسد كرمز لأحد مفاصل الفساد الأعمق في البلاد. ويبدو أداء حلا رجب لافتاً في شخصيّة «نهلة»، وكذلك مهيار خضور بدور «زكوان» زعيم العصابة. غير أنّ أداء باقي أفراد عصابته ظهر كاريكاتورياً، وكذلك أشكالهم ولا تخرج عن صورة الأشرار التقليدية في أفلام الرسوم المتحركة. ولا يمكن تجاهل الشعور بالصدمة حيال أداء سليم صبري الذي يمكن اعتباره من الأداءات الأكثر سوءاً بالعمل.
وإذا كان الإخراج يقتضي إعادة كتابة المسلسل بصيغة بصريةٍ مُثلى، يمكننا القول إنّ «عناية مشددة» تمت صياغته بصرياً على عجل في أماكن ينفع فيها التأنّي لتقديم عملٍ على هذا المستوى من الحساسية.
المصدر: الأخبار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.