«سراب» زيادة الرواتب: من لم يزرع لن يحصد

بين وقت وآخر تسري شائعات عن زيادة وشيكة لرواتب الموظّفين، معطوفةً في بعض الأحيان على تصريحات لمسؤولين حكوميين. ثمّة شائعات لا تكتفي بزفّ بشرى الزيادة القريبة، بل تحدّد مقدارها بشطحات غريبة تزعم حيناً أنّها ستكون بنسبة 50%، وحيناً بنسبة 100%!
الواقع أنّ زيادة بهذا الحجم على الرواتب ليست أمراً مستعصياً فحسب، بل هو أمر لم يُدرج يوماً في خطط هذا العام، ولا تضمّنته دراسات ولا نصّت عليه اقتراحات. وتبدو هذه الشائعات أشبه بترويج لحصاد لم تُزرَع بذاره أصلاً!
إنّ أكثر ما تضمّنته موازنة العام الجاري في هذا الإطار هامش يتيح زيادة مدروسة وممكنة للرواتب بنسبة 8 في المئة في حدٍّ أعظم. وبرغم زيادة حجم الموازنة بالليرة السوريّة، فإنّ قيمتها بالنسبة إلى الدولار الأميركي أقلّ بكثر من نظيرتها في عام 2010 مثلاً. بلغت موازنة 2010 ما يعادل 16 مليار دولار تقريباً (754 مليار ليرة)، مع رواتب لموظفي القطاع الحكومي تراوح بين ما يعادل 195 دولاراً و325 دولاراً تبعاً للقدم الوظيفي وطبيعة العمل. أما موازنة العام الحالي، فناهزت 6 مليارات دولار، مع أن قيمتها بالليرة السورية 3187 مليار ليرة (أكثر من 4 أضعاف موازنة 2010)، فيما انخفضت رواتب الموظفين لتراوح بين ما يعادل 60 و80 دولاراً فقط.
المشكلات لا تقتصر اليوم على تقلّص الموازنة، أو عدم القدرة على زيادة أصل الراتب بنحو يتناسب مع حجم التضخم السعري وانخفاض القوة الشرائية لليرة. ثمّة مشكلات أخرى تتعلّق بغياب الشفافيّة والغموض وتقديم أنصاف حقائق. وبسياسات اقتصاديّة أفرزت مع خواتيم الحرب خمولاً اقتصاديّاً، بدلاً من حركة تكنوقراط تسعى إلى خلق زيادات في الدخل الإجمالي (أصل الراتب مضافةً إليه المكافآت والحوافز).
حسابيّاً لا يمكن اليوم رفع الرواتب بنسبٍ تضاهي الوعود والشائعات. فحجم الإيرادات وفقاً للموازنة 2378 مليار ليرة، أما حجم الإنفاق فـ2362 مليار ليرة. ويبدو هذا كافياً لفهم أن باقي البنود (من استثمار ودعم اجتماعي ودعم محروقات وكهرباء وما شابه) ستكون تحت مظلّة العجز ما لم تحدث طفرة في التصدير تنقذ الوضع. إنّ بنوداً متواضعةً كالتي احتوتها الموازنة لا يمكنها النهوض بـإعادة إعمار بلد متضرر بما يزيد على 275 مليار دولار، فيما لا تتجاوز مخصّصات «لجنة إعادة الإعمار والتعويض عن الأضرار» 50 مليار ليرة فقط. ثمة حاجة إلى مضاعفة الرقم بمقدار 500 مرّة شريطة القدرة على تثبيت سعر الصرف!