الحوزة العلمية والأزهر والمسؤولية التأريخية

التقى رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي ، خلال زيارته التي قام بها الى مصر واستغرقت يومين ، بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ، ورئيس الوزراء ابراهيم محلب ، وشيخ الأزهر أحمد الطيب ، وباحثين بمركز الأهرام المصري ، ورؤساء الصحف المصرية ، وتمحورت هذه اللقاءات حول كيفية مواجهة الإرهاب والتطرف ودعم الاعتدال والوسطية ، بعد التأكيد على تطوير العلاقات الثنائية بين العراق ومصر.

من أهم ثمار هذه اللقاءات، والتي أثارت اهتمام المراقبين، هي اطلاق رئيس الوزراء حيدر العبادي مبادرة بين الأزهر والحوزة العلمية في النجف للوحدة ودعم الاعتدال والوسطية ومواجهة الفكر المتطرف، للحاجة القصوى التي تستشعرها شعوب المنطقة لمثل هذه المبادرات، للدفاع عن الدين الاسلامي أولا، ولتحصين المجتمعات الاسلامية من الفتن والفوضى.

مبادرة العبادي جاءت في بيان صدر بعد عقده جلسة حوارية مع رئيس وكبار باحثي مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية ، وجاء في جانب من هذا البيان أن: “مصر لديها الريادة في العالم الإسلامي وعرفت بموقفها الوسطي”، مبينا أن “لدينا مرجعية دينية عمرها ألف سنة، وهي مرجعية رائدة تحث على التعايش السلمي وحقن الدماء، وتعتبر المواطنة هي الأساس وترفض رفع أي راية أو علم غير علم العراق”.

وذكّر العبادي الجانب المصری بأن الطوائف العراقية متصاهرة ، وحذر من خطورة التحريض الطائفي الذي يبث عبر بعض الفضائيات، لأن الكلمة تؤدي الى كوارث عندما لاتوضع في مكانها الصحيح ، داعيا الى ضرورة وقف هذا التحريض ، فليس هناك مجرم شيعي أو مجرم سني لأن الجريمة لاتمثل الدين والمذهب.

اختيار العبادي القاهرة مكان لاطلاق هذه المبادرة ، كان اختيارا صائبا ، نظرا لما يمثل الازهر من رمز اسلامي كبير للاسلام المعتدل ، والذي يعود اليه الفضل في الحفاظ على مصر آمنة في الوقت الذي يضرب الارهاب المنطقة وبعنف ، كما كان العبادي صائبا عندما أشار الى استعداد الحوزة العلمية في النجف الاشرف ، والمتمثلة بمرجعية سماحة السيد علي السيستاني ، للتعاون مع الازهر في هذا الجهد المبارك في صد الهجمات التكفيرية الارهابية عن المجتمعات الاسلامية ، لما تمثله هذه المرجعية من خط إسلامي معتدل ، والرعاية الابوية التي تشمل بها جميع العراقيين دون استثناء ، ويشهد لها بذلك الاصدقاء والاعداء ، فإلى هذه المرجعية يعود الفضل في إنقاذ العراق من الوقوع في أتون الحرب الطائفية، نظرا لتبنيها الخطاب الاسلامي الشامل، ورفضها كل المحاولات للتعامل مع قضايا العراق رغم كل اهميتها، من منطلق طائفي ضيق.

جميع العراقيين شيعة وسنة، عربا وأكرادا، مسلمين ومسيحيين وأقليات دينية وطائفية ومذهبية، يعترفون بحكمة وعدالة وحنكة ودراية مرجعية السيد السيستاني، وينظرون الى هذه المرجعية كخيمة يستظل بها الجميع ، ويحتمي بها في الظروف الصعبة والحرجة ، كما حصل في عام 2006 عندما ارتكبت العصابات التكفيرية جريمتها الكبرى في تفجير مرقدي الامامين العسكريين عليهما السلام ، وعندما هددت “داعش” بدخول بغداد واحتلال كربلاء المقدسة والنجف الاشرف.

“السنة انفسنا” مقولة خالدة قالها سماحة السيد السيستاني ، عندما كانت العصابات التكفيرية تحاول إثارة الفتن لاشعال حرب طائفية بين العراقيين ، وبهذه المقولة والموقف الاسلامي الثابت والاصيل نزع سماحته فتيل الازمة وأخمد نار الفتنة.

في المقابل هناك الازهر الشريف ، صاحب التأريخ العريق والمشرف ، والمنارة العلمية الشامخة ، التي أنارت الدرب أمام شعب مصر وشعوب المنطقة في أحلك الظروف التي مرت بها مصر والمنطقة، بفضل خطابها الديني المتزن والمعتدل والاصيل، والذي حفظ لمصر مكانتها المميزة في العالم الاسلامي ، وهذا الدور البناء للازهر كان سببا ليكون هدفا ، كما كانت مرجعية السيد السيستاني هدفا ، للجهات المتطرفة وصاحبة الخطاب التكفيري، التي ترى في الازهر الشريف في مصر والحوزة العلمية في العراق، عقبتين كأداوين ، امام مخططاتهم الفتنوية والتدميرية في مصر والعراق والمنطقة.

إن على علماء الاسلام في الحوزة العلمية في النجف الاشرف وفي الازهر الشريف في مصر، أن يتحملوا مسؤوليتهم التاريخية، في هذا المنعطف الخطير في تاريخ العراق ومصر والمنطقة، والا يسمحوا للمجاميع التكفيرية أن تسرق دين المصطفى (ص)، وأن تزرع الفوضى في ديار المسلمين، وأن تشوه صورة الاسلام العظيم وصورة نبيه الكريم (ص) ، وان يكونوا على قدر المسؤولية التي حملتهم الامة ، كما كان أسلافهم من علماء الامة من الشيعة والسنة على قدر المسؤولية التي تحملوها وذهبوا وقد أدوا الامانة.

بقلم: منيب السائح – شفقنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.