رمضان دمشق: عادات وتقاليد متوارثة منذ القِدَم

رمضان دمشق: عادات وتقاليد متوارثة منذ القِدَم

خاص لسوريا الإعلامية | ملهم راضي

لطالما كانت مدينة دمشق من أعظم المدن التاريخية، ولطالما كان شعبها من أكثر الشعوب الذي تميز بكرمه، وجوده، وتمسكه بعداته وتقاليده. لا شكَّ بأنَّ شهر رمضان المبارك من أعظم الأشهر لدى الدمشقيين، فلهذا الشهر ميزةٌ كبيرة لا تجدها إلا في دمشق خصوصاً وبلاد الشام عموماً، ألا وهي “سكبة البيت للجار”.

 

توارث أهل دمشق على مر التاريخ توزيع سكب الطعام قبيل موعد الإفطار على جيرانهم، فمن حَضَّرَ “طبق المحاشي” على سبيل المثال يسكب سكبة لعدد من الجيران، ليقوموا الجيران بسكب سكبة طعام من صنف أخر وتوزيعها أيضاً على جيرانهم، وهكذا نجد بأن من حّضَّرَ “طبق المحاشي” فقط أصبح لديه سفرة متنوعة بأصناف عديدة من الطعام، كذلك الأمر لبقية المنازل التي تمتلئ موائدهم بأصناف متنوعة.

هذه العملية التبادلية لسكب الطعام هي ليست مقتصرة على الصائمين فقط، بل حتى المنازل المسيحية كانت تشارك بإعداد أصناف مختلفة من الطعام وسكب صحون منها إلى بيوت جيرانهم الصائمين، فمدينة دمشق تتميز برونق جميل من التعايش المشترك بين أبنائها المسلمين والمسيحيين، ولطالما كانت الأحياء الدمشقية ملاصقة لبعضها البعض مشكلةً الأبواب السبعة التي تجمع بداخلها كلا الدِيّنَينْ.

فباب توما المتاخم لحارة الجورة المجاورة لباب السلام والواصل إلى حي القيمرية الذي يؤدي إلى شارع الأمين المنتهي بحي الشاغور المشرف على باب شرقي، هذه الأحياء بنسيجها المختلف شكلت لوحةً فسيفسائية ومثلت أفضل النموذج للعيش المشترك الواحد بين الدمشقيين.

سوريا الإعلامية التي سلطت الضوء على هذه الطقوس والتقت مع العديد من سكان دمشق القديمة الذين أكدوا بأن رغم التطور والانفتاح الذي نشهده في يومنا هذا، إلا أن الحفاظ على هذه التقاليد لابدَّ منه، خاصةً في شهر رمضان المبارك.

أبو جوزيف الذي يقطن في حي القيمرية قال لنا “بأن شهر رمضان المبارك له ميزةٌ دينية واجتماعية رائعة، فنحن نقوم بموعد الإفطار بتوزيع سكب من طعامنا إلى بيوت جيراننا الصائمين ليقوموا هم بذلك الأمر بإرسال سكب من طعامهم إلينا، وهذه ليست الظاهرة الوحيدة للتعايش المشترك بين أبناء دمشق، فعلى مرِّ الأزمنة وعند عودة الحجاج، كانت الحارات المسيحية تزين أحيائها وتذهب على شكل وفود لتهنئ الحجاج بعودتهم إلى الديار سالمين”.

بو أحمد بائع العرق سوس والتمر هندي في باب السلام تحدث لنا أيضاً عن فضل هذا الشهر وأهميته في التلاحم الاجتماعي الذي لطالما كان ومازال من الميزات التي تتغنى بها مدينة دمشق، فالأعياد المشتركة بين المسلمين والمسيحيين، وأفراحهم وأحزانهم بينت مدى الترابط بين الدمشقيين وصلابة محبتهم ومساندة بعضهم البعض.

يذكر بأن هذه الميزة لاتزال حتى يومنا هذا في أحياء وحارات دمشق القديمة، ولهذا كان شهر رمضان بالإضافة إلى أنه شهر العبادةِ والتقوى كانَ شهر المحبة والخير ولم الشمل والتسامح والجار للجار.