معركة الرقّة .. خاتمة الحلم التركي

لا يمكن لعاقلٍ أن يكون ضدّ الوحدة الإسلامية بما يحقق عزّة المسلمين، شرط أن تكون هذه الوحدة مهما كان شكلها مطلباً لجميع المسلمين، لا كما يتم التعاطي معها كتفكيرٍ وسلوكٍ إقصائي يكفّر عموم المسلمين ويهدر دمهم لعدم توافقهم مع رغبات الداعشيين ومن يدور في فلكهم.

منذ أيام، أصدرت “الدولة الإسلامية” أول صحيفة لها مكوّنة من 50 صفحة تحت اسم “دابق”، وزّعتها على المواطنين في مناطق سيطرتها، إضافةً الى نشرها بنسخة إلكترونية على مواقعها عبر شبكة الانترنت.

ودابق هي بلدة بالقرب من أعزاز في ريف حلب الشمالي الشرقي، جرت في محيطها المسمّى مرج دابق المعركة التي انتصر فيها السلطان سليم الأول على المماليك بقيادة قانصو الغوري، وشكّلت بداية الزحف العثماني باتجاه المنطقة العربية.

والسؤال هنا: هل جاءت تسمية صحيفة “الدولة الإسلامية” صدفةً، أم أنها تندرج في سياق الغزل بينها وبين تركيا؟
ألا يبدو أنّ حلم أردوغان في السيطرة وإحياء السلطنة العثمانية يتقاطع مع إعلان داعش للخلافة؟
ألا يبدو جلياً أنّ المعركة الحالية تحصل على نفس الجغرافيا التي حصلت عليها معركة مرج دابق سنة 1516 ميلادي؟

في متابعة دقيقة لمناطق انتشار “داعش” منذ بداية تواجدها على الأراضي السورية، نرى حرص قيادتها على التموضع في أماكن محاذية وقريبة من الحدود مع تركيا. كما أنّ قيادة “الدولة الإسلامية” قد حرصت على أن تسيطر على أغلب آبار النفط السورية في المنطقة الشرقية، والتي أمنّت من خلالها مدخولاً مالياً يومياً، وبات كلّ العالم يعرف كيف تتشارك تركيا في نهب النفط السوري مع داعش من خلال شرائها لهذا النفط بأسعار متدنية جداً (12$ للبرميل) لتبيعه في السوق النفطية بنصف سعره أو أقل، وهو الأمر نفسه الذي حصل في المدينة الصناعية في حلب من خلال نهبها لضرب سورية اقتصادياً من خلال ضرب حلب عاصمة الإقتصاد السوري.

وخلافاً لما تمّ تسويقه سابقاً عن علاقة داعش بالسلطات السورية، فقد تسرّبت خلال اليومين المنصرمين معلومات استخباراتية حول علاقة أبو بكر البغدادي بالمخابرات الغربية والتدريبات التي خضع لها عبر شخصيات مقربة من هذه الأجهزة، إضافةً الى ما سبق ذكره حول الغزل الداعشي لتركيا والعلاقة اليومية عبر الحدود برعاية المخابرات التركية.

يبدو أنّ تطوّر الأحداث في العراق والسيطرة التي قامت بها داعش سيسرّعان في حسم معركة ريف حلب الشمالي الشرقي والشرقي لسببين:
1- تأمين أوسع نطاق حماية حول مدينة حلب.
2- إقامة سدّ في المرحلة الأولى أمام أي تمددٍ محتملٍ من داعش باتجاه مناطق حلب، إضافةً الى المناطق التي تسيطر عليها حالياً.

وإن كانت داعش قد استطاعت أن تحسم معاركها بمواجهة الجيش الحر وجبهة النصرة في البوكمال وديرالزور وأكثر من جبهة في المنطقة الشرقية، فهل ستستطيع أن تتغلب على الجيش السوري وتبسط سيطرتها نهائياً على المنطقة الشرقية وتتمدد أكثر في اتجاه مناطق أخرى في سورية؟

لا يبدو في المنظور القريب أنّ معركة مواجهة كبيرة وشاملة ستحصل في الرقة أو الحسكة بين داعش والجيش العربي السوري لمجموعةٍ من الاعتبارات، إلا أنّ معركة ريف حلب الشرقي أصبحت تندرج تحت بند “عاجل” للأسباب التالية:
1- إنّ المعارك التي تخوضها داعش في الريف الشرقي الشمالي، وخصوصاً في بلدات اخترين وغيطون، مع الجماعات المسلحة الأخرى تستهدف في بعدها الاستراتيجي الامتداد نحو أعزاز وجسر الشغور، تمهيداً للسيطرة على معبر بحري في كسب التي استعادها الجيش السوري مؤخراً.
2- وجود معلومات مؤكدة عن وصول آلاف المسلحين من مناطق مختلفة من العالم، أغلبهم من دول المغرب العربي وخصوصاً ليبيا وتونس، إضافةً الى جنسيات أخرى.
3- بالإضافة الى الأسلحة والآليات التي سيطرت عليها داعش في العراق، فإنّ معلومات مؤكدة تشير الى وصول شحنات كبيرة من الأسلحة عبر تركيا مصدرها ليبيا ودول أوروبا الشرقية السابقة.

إزاء هذه التطورات، لا يمكن للجيش العربي السوري أن يؤخر أكثر خوض معركته مع داعش في مرحلتها الأولى في ريف حلب الشرقي والشمالي الشرقي.
في الريف الشرقي تقف قوات الجيش العربي السوري عند حدود المأمونية، والتي تبعد عن مدينة الباب، التي تسيطر عليها داعش وتعتبر أحد أهم معاقلها، 11 كلم فقط.

تعتبر السيطرة على مدينة الباب وجوارها بلدة تادف مهمة أساسية وحيوية تجعل التقدم الى اخترين وغيطون لاحقاً مهمة أكثر سهولة.
من مدينة الباب ستجري المهمة اللاحقة المتمثلة باندفاعين:
– الاندفاع الأول باتجاه منبج شمال مدينة الباب لاستكمال طوق الحماية.
– الاندفاع الثاني باتجاه رميلات الشلال لتشكيل خط تقدم وضغط على منطقة الرقة من شمالها.

هذان الاندفاعان سيجريان مع اندفاعاتٍ أخرى لقوات الجيش العربي السوري من أماكن تمركزه الحالية بالقرب من مطار حلب ومخيم النيرب شرق جنوب باتجاه مطار كويرس ودير حافر، لتلتقي مع قوات أخرى تنطلق من خناصر.

إنّ كلّ ما ذكرناه يندرج في إطار مهمة واحدة قد تُنفذ في وقتٍ واحدٍ أو تجزئتها الى مهمات متعددة، لإمكانية تحرك وحدات الجيش العربي السوري بشكلٍ منفصل على كل محور من المحاور التي ذكرناها.

الى أن يبدأ الجيش السوري في تنفيذ هجماته، فإنه ومنذ تمدد داعش الخطير في العراق قد وضع كافة مواقع وخطوط إمداد ومعسكرات تدريب وقيادات داعش تحت النار، عبر عشرات الغارات اليومية التي ينفذها سلاح الجو السوري وصولاً الى كل المناطق الحدودية المشتركة مع العراق، في سياق خطة تهدف الى إرهاقهم واستنزاف قدراتهم البشرية والعسكرية وصولاً الى مرحلة المواجهة المباشرة التي مهما تأخرت فإنها حاصلة لا محالة.

وتجدر الإشارة الى أنّ مجموعة من العوامل التي دخلت على الخط قد تساهم في تفكيك قدرات داعش، ومنها على سبيل المثال لا الحصر المعلومات التي تتحدث عن انشقاق أحد أكبر أمراء داعش في الرقة أبو لقمان (علي الحمود – الشواخ)، وهو من عشيرة العجيل (فخذ الكبيسات)، ومن مواليد قرية السحل الواقعة غرب مدينة الرقة، وقد قاتل في العراق ويعتبر من أوائل الذين عملوا على نشر تنظيم داعش في سورية، كما أنّ تصرفات داعش ستستفز العشائر التي لن تستطيع تحمّل هذه التصرفات وستعلن بشكلٍ واضح في مرحلةٍ ما القتال ضد داعش.

ختاماً، إنّ كشف تنظيم داعش عن رؤيته بشأن الكيان الصهيوني وأولوية قتال العدو القريب، إضافةً الى هذا التماهي مع الأكراد والأتراك، سيوحّد الكثير من القوى بمواجهة هذا التنظيم، وسيكتشف الأتراك أنّ ما يصبون اليه سيظلّ حلماً يراودهم، وسيثبت القادم من الأيام صحة أقوالنا، فرغم شراسة المعركة وتعدد أطرافها فإن قدرات المواجهة تتنامى باستمرار ويبدو ميزان القوى في غير مصلحة المخططين والمنفذين لهذه المعركة.

*ضابط سابق (خريج الأكاديمية العسكرية السوفياتية).
سلاب نيوز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.