قبل العودة.. أهالي ريف اللاذقية مَن ‘‘يرمّم‘‘ ذاكرتهم؟!

قبل العودة.. أهالي ريف اللاذقية مَن ‘‘يرمّم‘‘ ذاكرتهم؟!

عاد بأسى يتفقّد منزله الذي لم يتأكد بأنه أمامه فعلاً بعد أن تغيّرت ملامحه من الخارج فالدمار يحيط به من كل جانب حيث أصبح أسوداً بالكامل بفعل الحريق الذي افتعله المسلحون قبل أن يخرجوا من قريته الوادعة في ريف اللاذقية ..
لم يكمل ” أبو محمد ” حديثه لوكالة أنباء آسيا إلا بعد أن توقف به الزمن مستعيداً لحظات آخر مرة قام بها بطلاء منزله حين غدا أبيضاً زيّن محيطه بالورود التي “كانت عصية على أطفال حارته” كما قال ، إلا أنها اليوم قد تحولت إلى رماد بعد أن أحرق مسلحو المعارضة كل الأراضي الخضراء في قرية (ربيعة) مؤكداً بأنه سيعمل على إعادتها كما كانت.
ولم يختلف الحال على أهالي قرى ريف الحفة وصلنفة وجميع القرى والبلدات التي تضررت بفعل الإرهاب ومنها ربيعة وسلمى والأخيرة كانت المعقل الرئيس للمعارضة المسلحة لقربها من الحدود التركية وتم تحريرها العام الماضي ، حيث وصفت العديد من عائلات هذه القرى حال منازلهم بـ”الكارثي ” فلم يبقَ منهم شيئاً إلا الجدران التي حوّلها التكفيريون إلى ” لافتات تحمل شعاراتهم الدينية المتطرفة ” وأسماء كتائبهم المسلحة وكذلك الحال لأسطحتها الحاملة لبيارق أعلام ” ثورتهم ” التي أشعلت الجبال الخضراء بعد أن كانت قبلة للسياحة الغربية قبل العربية ! كما ذكر بعض الأهالي .
فلم يكون الهجوم الإرهابي الأعنف على 11 قرية بالريف الشمالي للاذقية منها( تلا وأوبين وكفرية وبلوطة وأبو مكة والحمبوشية والخنزورية ورمسة وبارودة وانباتة ) في الرابع من آب عام 2013 إلا محطة سوداء في تاريخ بلد الأبجدية والتاريخ حيث ارتكب الإرهابيون بحق أهالي هذه القرى مجازر وحشية ، فرغم صغر مساحة هذه القرى وقلة عدد سكانها إلا أنها عاشت أحداثاً كبيرة لن تناسها الأجيال المتلاحقة التي ستتوالى على هذه الأرض بعد أن ارتوت بدماء أبنائها الذين اعتادوا ريّها بالماء النقي كونها مصدر رزقهم الوحيد .
فرغم الجهود الحكومية التي تُبذل لإعادة الحياة إلى هذه القرى بما فيها البشر والحجر إلا أن الجرح سيبقى ينزف حتى عودة جميع المخطوفين الذين لا يزال مصير معظمهم مجهولاً كما تحدث بعض الأهالي بحسرة وعتب على المسؤولين الذين ” قصروا في مسؤولياتهم تجاه هؤلاء الذين غيّبهم المسلحون عن ذويهم في صيف 2013 دون أن يكون ” ملفهم ” أولوية لدى بعض الجهات ” .
ولم يزل ملف مخطوفي اللاذقية وقرية اشتبرق ( جسر الشغور) منسياً بحسب تعبير أحد أقارب المخطوفين الذي أكد لوكالة أنباء آسيا بأن ” ملف المخطوفين ملف مُهمل ومَنسي عند الجهات المعنية التي – تعدنا بالخير ولا نراه – وقد ساهمت بتحرير بعض المخطوفين ربما لتسكت بقية الأهالي وكأن هناك شيء مجهول لا يراد الكشف عنه عكس باقي المناطق في المحافظات الأخرى التي تفاوض عليها نفس الجهات وتتداول الحديث بطريقة إنسانية عبر وسائل الإعلام في حين يتم تغييب ملف ذوينا وكأننا على هامش هذا الوطن” !
بالمقابل يتناوب مسؤولو الحكومة والجهات الرسمية على زيارة هذه القرى بين الحين والآخر ” لتفقد عمليات الترميم والإصلاح من جهة ولدعم الأهالي لاستمرار صمودهم وعودتهم إلى منازلهم من جهة أخرى ” كما ذكر محافظ اللاذقية إبراهيم خضر السالم في آخر زيارة قام بها إلى الريف الشمالي قبل أيام حيث أكد أن ” ورشات الترميم بدأت العمل منذ أسبوع بعد جرد ما سيتم ترميمه وإعداد كشوف للأضرار حيث ستشمل عمليات الترميم 7 قرى تتضمن 440 منزلاً متضرراً ومدرستين إضافة إلى مستوصف في قرية “أوبين” بقيمة تصل إلى أكثر من مليار ليرة ” كما قام بتوزيع 18 رأس بقرة على المزارعين الذي فقدوا ثروتهم الحيوانية بالإضافة لبعض الألبسة الشتوية لأطفال هذه القرى .
لتبقى عشرات العائلات تنتظر عمليات الترميم التي طالت أكثر من اللازم فلم يتم ترميم سوى 37 منزلاً حتى الآن ومن المتوقع أن ينتهي ما تبقى خلال الصيف القادم -كما وعدت الجهات المعنية- ، لتعود إلى منازلها بعد أن ” أنهكتها حياة اللجوء والسكن بالإيجار ” كما ردد أحد الوافدين من الحمبوشية مضيفاً: أتحمل فوق طاقتي لأعيل أطفالي الذين تأخروا في مراحلهم الدراسية بعد أن تهجرنا قبل نحو ثلاث سنوات من قريتنا التي تعرضت لأبشع هجوم إرهابي لن ينساه صغاري فهم شهود عيان على ما جرى ولن أستطيع محو صور القتل والتخريب التي تخزّنت في ذاكرتهم بذلك اليوم الأسود حيث هربنا تحت جنح الظلام ولا أريد العودة إلا بعد أن تعود القرية كما كانت حتى لا تُعاد الأحداث في مخيلتهم بعد هذه السنوات الصعبة التي أنهكتنا بالتنقّل بين منطقة وأخرى حتى تنقضي ونعود كما كنا عسى أن ينسوا ويكملوا حياتهم كما باقي الأطفال ” .

 

عبير محمود | آسيا نيوز