ماهي طبيعة الحرب بين الجيش السوري و داعش ؟ | حيدر مصطفى

ماهي طبيعة الحرب بين الجيش السوري و داعش ؟

 

في الحرب الكلاسيكية يتحقق النصر بالحسم العسكري الذي يحقق الهدف السياسي للحرب , الحسم العسكري يتحقق بعد توجيه ضربات مؤثرة هدفها شل قدرة العدو ومنعه من العمل الحر و تدمير مراكز ثقله عبر معركة رئيسية كبرى , هذا في الكلام النظري لمفهوم فرضية العقيدة الكلاسيكية للحرب , أما الحديث الواقعي يختلف في مفاهيمه خصوصا إذا كانت الحرب بين جيش نظامي و جيش من المجموعات الإرهابية المتطرفة .. كيف ذلك ؟

خاص | سورية الإعلامية | حيدر مصطفى

الحسم العسكري يتحقق ببحث الجوانب المختلفة لطابعة و طابع مركز ثقل العدو , في الحرب الكلاسيكية بين جيشين نظاميين يتمركز الطرفين بشكل متواز في ساحة معركة محددة وببنك أهداف معين يبدأ من خط النار الأول و ينتهي بضرب مراكز الثقل , أما في حرب كالحرب التي يخوضها الجيش السوري ضد داعش و إخوتها فإن المفاهيم كافة حول الحرب الكلاسيكية و حروب الجيوش النظامية تتحطم عند عتبة المعركة الرئيسية الكبرى ضد مجموعات إرهابية منتشرة جغرافيا بمتغيراتها العسكرية و السياسية و الجغرافية و اللوجستية و الإمكانيات التقنية و العدد البشري .

العراقيل الأساسية التي تتحطم عندها مفاهيم الحرب التقليدية هي خطوط النار المتزايدة و التي يتعاظم انتشارها بما يتناسب طردا و متغيرات المعركة و انتصارات أحد الطرفين و خسائر الآخر و بشكل عكسي , أيضا إشباع ميدان المعركة بالقوات و تطور المواجهة بين قتال خصم واحد إلى قتال عدد من الخصوم , نتحدث عن سورية و الجميع يعلم حجم الانتشار الإرهابي في مختلف المناطق , الانتشار الأخطر لهذا الجسد الإرهابي المرتبط بقاعدة رأسية و أطرافه و أعضائه تتحرك بحرية في شرق سورية و صولا إلى شمالها الشرقي .

 

كيف يقاتل الجيش السوري داعش :

 

قبيل الحديث عن الكيفية يجب أن نضع هذه القاعدة كأساس لما سنتحدث به ” الحرب تصبح معقدة عندما يواجه الجيش جيشا آخر يشكل خليطا متطرفا يجمع في مكوناته التطرف الآسيوي و الغربي و الشرقي أو بالأحرى العالمي , التطرف الذي ينظر إلى المواجهة وفق منظور أوسع من مجرد صدام بين بنىً عسكرية في ميدان معركة محددة الوقت و المجال ” القاعدة هذه توصف عمل داعش أو ما تسمى “دولة الخلافة” التي تقاتل ضد جيشين نظاميين في سورية و العراق و أكثر من 10 فصائل مقاتلة أخرى إلى جانبهما دون الأخذ بعين الاعتبار ما هي إمكانيات هذين الجيشين و بنيتهما العسكرية ولا تحدد معركتها بوقت ولا ببنك أهداف ولا تقتصر عملياتها العسكرية على استخدام نوعي للسلاح فكل ما هو موجود يدخل في المعركة لا شيء يخبئ في أسلوب قتالهم , ولا ميدان واحد للمعركة هنالك ميادين عديدة من الرقة إلى ريف حماه إلى ريف دمشق إلى ريف دير الزور و ريف الحسكة هذا في سورية و العديد من خطوط النار في العراق .

الصراع حول طبيعة الحرب في سورية أمر بات مفهوم لجميع المعنيين و المتابعين أصحاب العقول المنطقية , المسائل التي اختبرتها القيادة السورية في حربها السياسية و العسكرية مكنتها من توجيه دفة الحرب نحو انتصارات متعددة , في المفهوم التقليدي لأي حرب فإنها لا تختبر بالضرورة القدرة القتالية للطرفين و حسب و إنما قدرات أخرى كالصمود في حرب استنزاف طويلة و القدرة على حشد مجموعة دولية داعمة وصولا إلى حراك دولي يضع نهاية سياسية للحرب و لربما عسكرية .

 

القيادة السورية استطاعت حشد مجموعة من الحلفاء في بداية الحرب قاموا بدعمها عسكرية و سياسيا و وصلت الآن إلى مرحلة القبول و الاستعداد  للتعاون الدولي و الإقليمي الناتج عن الحراك العالمي المستشعر بخطر تمدد و بقاء داعش .

وحدات الجيش السوري أثبتت صمودا أسطوريا لسنوات من الحصار في مناطق تواجد إرهابيي داعش , سنوات خاضت فيها معارك عنيفة على الحدود الإدارية للقطع العسكرية التي تتواجد بها , ادت إلى سقوط مئات القتلى من عناصر التنظيم , حتى وصلت المعركة بين هذه المراكز المتمثلة بالقطع العسكرية المحاصرة و المعارك الدائرية فيما حولها إلى مرحلة انعدام التماثل في المقدرة و إمكانية الصمود , داعش لا تسأل عن خسائرها البشرية فالخزان البشري العالمي يضخ لها المئات و الآلاف من الجهاديين بينما القطع المحاصرة في الرقة لم يكن من الإمكان وصول المؤازرات إليها ولم يكن بإمكان القيادة العسكرية إرسال المئات من مقاتليها لدعم القطع المحاصرة إلى المجهول و التسبب بمقتلهم جميعا , الأمر أشبه بتحطيم صخرة صوان بإبرة ..

 

هنالك أبعاد كثيرة للحرب البعد الاستراتيجي العسكري و السياسي البعد الميداني التكتيكي و اللوجستي , وجهة النظر الكلاسيكية للحرب تفترض أن تراكم الإنجازات في بعد واحد قد يؤدي إلى إنجاز أيضا في الأبعاد الأخرى , على سبيل المثال أن تراكم الإنجازات في المعارك يؤدي إلى إنجاز استراتيجي وما يكفي من الإنجازات الإستراتيجية سيتيح المجال لتحقيق الهدف السياسي للحرب , الطرفين الجيش السوري و إرهابيي داعش يعملان ضمن الإطار العام لهذه القاعدة , إلا أن ما لا تعلمه القيادة العسكرية لداعش و توهم مقاتليها ومواطنيها المغتصبين إنسانيا و فكريا و معيشيا بعكسه و تقوم بحراكها الإعلامي بناء على أساسه العسكي هو أن مجمل انتصاراتها هي انتصارات جغرافية لا أقل ولا أكثر ..

 

أريد أن أطرح سؤالا : ماذا لو لم يدخل إرهابيي داعش إلى مطار الطبقة أو الفرقة السابعة عشر أو الفوج 121 او اللواء 93ماهي النتائج الإيجابية لاستمرار الحصار على تلك القطع العسكرية سوى المزيد من الخسائر البشرية و المادية للجيش السوري و للشعب ؟؟

وما هي فائدة سحب القوات العسكرية للجيش السوري من يد داعش و إعادة تنظيمها و تجميعها في مكان آخر ,استمرار الحصار على تلك القطع يعني القضاء عليها بشكل كامل و بكافة المقاييس , أما انسحابها فيعني النجاة بالمئات من المقاتلين و كميات كبيرة من العتاد , ليدخل إرهابيو التنظيم إلى تلك المواقع و ليتلقوا ما يتلقوه من ضربات جوية و صاروخية ..

القصد هنا  .. أن الجيش النظامي في أي حرب يخسر معركته عندما يفقد إمكانية إطلاق النار من أي قاعدة كانت و هذا ما لم ولن يخسره الجيش السوري و حلفائه , الدليل أن خسائر داعش من المقاتلين بعد دخولها إلى تلك القطع كانت كبيرة جدا و أكثر بأضعاف من خسائر الجيش السوري .

خسارة الجيش السوري لتلك القطع العسكرية و صف بكلمة ” السقوط ” , سقوط قطعة عسكرية يوحي للمتلقي بأنها دمرت بشكل كامل , جداول ” فون نئومان ” لتقييم انهيار الوحدات العسكرية التي كانت معتمدة منذ القرن التاسع عشر تقول : إن دمار 60 بالمائة من قوة الوحدة العسكرية يوازي تدميرها بشكل كامل , لنسقط هذا الكلام على واقع القطع العسكرية المنسحبة من الرقة فإن نسبة التدمير بإمكانياتها البشرية و بالعتاد قد لا تتجاوز ال 30 بالمائة وكل ما قام به الإعلام الحربي و النفسي لداعش بتصويره على أنه خسائر بآلاف المقاتلين محض فبركات هوليودية كاذبة و المتابع الدقيق يعلم كيف نشرت مقاطع الفيديو التي تظهر مئات المقاتلين العراقيين المأسورين من قاعدة سبايكر في العراق على أنهم جنود مطار الطبقة العسكري السوري .

 

بيت القصيد :

الفبركة الإعلامية النفسية هي القاعدة الأساسية للعمل الإرهابي , هي السلاح الأعظم من الرشاشات المحملة على السيارات و أعظم من العدد البشري الهائل و أعظم من الذخيرة الوفيرة و المال و أعظم من كل المقدرات و الإمكانيات وهو الأمر الذي  تسبب بنجاح التنظيم بتحقيق مراده بجعل نفسه الخطر الذي يهدد العالم اجمع و يوهن عزيمة أي شعب أراد بمجرد ما قال إنه يريد الوصول إليه , السعودية تعيش بحالة هلع و الكويت أيضا بسبب تهديدات متزعمه المدعو “أبو بكر البغداي” , أميركا و بريطانيا و الغرب أعلنوا استنفار قواتهم الأمنية و العسكرية إلى ما قبل الخط الأحمر نظرا للهلع الشعبي السائد في بلدانهم , في سورية الشعب الذي صمد لثلاث سنوات أمام أقسى الهجمات الإرهابية و تشظى أبنائه بتفجيرات العبوات الناسفة و السيارات المفخخة و قدم آلاف الشهداء و استمر بمقاومته وصل اليوم إلى حد الهلع من الإرهاب الداعشي القاطع للرؤوس المصور بعمل إخراجي متقن لإيصال الرسالة الإعلامية التي ستدخل إلى قلب وعقل كل مواطن من سورية و إلى العالم “نحن نجز الرؤوس وانتم تفقدون الثقة بجيوشكم و قياداتكم ” و يساعدهم في نشرها كل من لا يتجاهل أعمالهم و يقوم بنشرها مهما كانت الغاية , الانتصار على داعش لا يكون عسكريا فقط , يمكن الانتصار على داعش من خلال تحقيق انتصار عسكري استراتيجي للجيش العربي السوري هو أمر محتم ولكن غير محدد بوقت أو مكان , الانتصار على داعش يحتاج إلى حشد بشري شعبي ذو همة عالية و عزيمة و إصرار و ثقة و معنويات مرتفعة , لا كلام نظري في القول إنها حرب و على الجميع تحمل النتائج بل هو كلام واقعي , ولا قانون لحرب مختلفة الأبعاد و كثيرة المتغيرات كهذه, السوريون اليوم بحاجة ماسة إلى حرب نفسية مضادة مدروسة و منظمة بإتقان للتصدي إلى حرب داعش النفسية و الإعلامية , ولا ضرر لأحد أو لمؤسسة ما في القول .. إن وسائل الإعلام السوري بحاجة للاستفادة من تجربة قناة المنار في ال 2006 في بعض الطرق التي تندرج ضمن إطار الحرب النفسية و الإعلامية , و العمل على توحيد أسلوب عمل ممنهج  ومضاد عبر وسائل التواصل الاجتماعي لتهميش إنجازات داعش و سد الثغور الشعبية النائحة عبر تلك الوسائل و إقصائها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.