«داعش» و«الشعيطات»: صراع على النفط… والحياة!

ما لم يكن يتوقعه تنظيم «داعش» حدث في ريف دير الزور. تجنبه الصدام المباشر مع العشائر سرعان ما سقط مع أول احتكاك مع عشيرة الشعيطات، التي وإن كانت قد خسرت الكثير من أفرادها بسكاكين «داعش» وتهجير عائلاتها من قراها، إلا أنها يبدو قد أسست لمرحلة ما أصبحت تسمى «المقاومة الشعبية» ضد «داعش»

في مقاهي دمشق، ولا سيما تلك التي يقصدها بكثرة أبناء دير الزور، لا يمكن للدخان المنبعث من «أراكيل» الزبائن أن يحجب سيطرة تطورات ما يحدث في ريف المدينة الشرقية من البلاد على نقاشات الكثيرين، كما أن حلاوة الشاي «الخمير» الذي يتناوله معظم أبناء الدير لم تخف مرارة أخبار الإعدامات والمجازر الجماعية التي يقوم بها تنظيم «داعش» هناك.

على إحدى الطاولات في مقهى شعبي، بدأ عدد من أبناء محافظة دير الزور، ومن بينهم مسؤول حزبي رفيع، يشرحون لـ «الأخبار» ماذا حدث في الفترة الأخيرة، ليوضحوا في مستهل حديثهم أن من الضروري الوقوف على تفاصيل دخول محافظة دير الزور على خط الأزمة، وتطورات ذلك وصولاً إلى مرحلة «داعش» لفهم حقيقة ما يحدث.
فالمدينة، التي تبعد عن دمشق نحو 450 كم، كانت من أولى المناطق السورية التي شهدت تظاهرات قوامها الأعظم تكوّن من أبناء الريف، الذين عادوا ونقلوا هذه التظاهرات إلى الريف عبر بوابة منطقة القورية، ليجري بعد فترة زمنية إنشاء مجموعات مسلحة عمدت إلى مهاجمة وحدات عسكرية متمركزة في عدة مناطق من الريف «الديري» كمدينتي البوكمال، التي كان يقوم على أطرافها مقر للفرقة 17، والميادين، التي كانت تتمركز في قلعتها إحدى الوحدات العسكرية. ونظراً إلى عدم توافر إرادة قتال آنذاك سُحبت الوحدات العسكرية وأُعيد تجميعها لتغيب بعد فترة، وعلى نحو كامل، مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية عن ريف المحافظة، وهو ما أتاح للمسلحين الاستفراد بالريف ونهبه وسرقته.
لكن طموح تلك المجموعات المسلحة، والمنضوية تحت راية تنظيمات عديدة، كان كبيراً، أو بالأحرى أخذ يكبر مع سهولة وسرعة سيطرتها على الريف، لتكون الوجهة التالية لمسلحي الريف مدينة دير الزور، وقد كان لهم ما أرادوا من خلال سيطرتهم على أحياء عدة فيها، وهو ما جعل لاحقاً أبناء هذه المدينة، الذين نزحوا نحو مدينتي الرقة والحسكة، يُحمّلون الريف مسؤولية ما حصل بمدينتهم، من تخريب وتدمير وسرقة للمنازل والممتلكات العامة والخاصة.

وليس هذا فحسب، فما تعرضت له المنشآت العامة والخاصة بمستودعاتها الضخمة وخطوط إنتاجها في محافظتي الحسكة والرقة من عمليات نهب وسرقة، جرى في جزء كبير منه على أيدي مسلحي ريف دير الزور، الذين سيطروا كذلك على حقول للنفط والغاز، وعملوا على استثمارها وبيع منتجاتها لسماسرة محليين وأجانب، وحفاظاً على ما كانوا يحققونه من أرباح هائلة، فإنهم لم يمانعوا يوماً من تغيير ولاءاتهم وانتماءاتهم ليكونوا دائماً مع الأقوى في المنطقة، فتنقلوا مثلاً من الولاء لـ«الجيش الحر» ليلبسوا عباءة جبهة «النصرة» ومن ثم مبايعة كثيرين منهم لتنظيم «داعش».

الولاء للأقوى

لم يدخل تنظيم «داعش» على خط ريف المحافظة، برغم سيطرته الكاملة على مدينة الرقة، تحسباً لرد فعل العشائر أولاً، ولرغبته بعدم الدخول في مواجهة تستنزف قواه البشرية بالنظر إلى اتساع مساحة الريف وثقله السكاني ثانياً، لكن هذا الموقف لم يدم طويلاً، وخاصة مع انتصارات التنظيم في محافظة الموصل العراقية، وحصوله على أسلحة ومعدات وآليات متطورة جرى نقل معظمها إلى سوريا، فتحرك التنظيم نحو ريف الدير، معتمداً على عنصرين رئيسين للنجاح وتحقيق مراده: نشر الرعب والهلع بين السكان وعناصر المجموعات المسلحة المتكونة من العشائر الأساسية، واستخدام الأسلحة والآليات الحديثة التي غنمها من القوات العراقية.
على أهمية جميع مناطق الريف «الديري»، إلا أن المسؤول الحزبي يرى من وجهة نظره أن الأهم في مسيرة سيطرة «داعش» خلال الأشهر الماضية تتمثل في ثلاث مناطق رئيسية تحمل كل منها رسالة معينة. ففي ناحية خشاب، التي عُرف مسلحوها بالغنى الفاحش وبأنهم أول من زان النقود التي كسبوها جراء سرقتهم لمستودعات مؤسسات الدولة وصوامع الحبوب وبعض آبار النفط، فقد بايع سكانها التنظيم حقناً للدماء أو تنفيذاً لما اشتهر به الريف خلال هذه الأزمة من انحيازه للأقوى، إنما ذلك لم يمنع التنظيم من دخول الناحية، ومصادرة أموال المسلحين والسكان وممتلكاتهم.
أما في الشحيل، التي كانت تمثل المعقل الأول لـ«جبهة النصرة»، فإن المفاوضات بين التنظيم وبعض الفصائل المسلحة أفضت إلى تحييد الناحية عن المواجهة، التي كان قد استعد لها الطرفان، مقابل بيعة «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، ومرة أخرى نكث تنظيم «داعش» بما جرى الاتفاق عليه، وأخرج سكان الناحية ليقيموا في الصحراء لمدة عشرة أيام مع ترك أبواب منازلهم مفتوحة بحجة تفتيشها وتسليم جميع الأسلحة الموجودة في الشحيل، أما الفصائل المسلحة التي لم توافق على مفاوضة التنظيم، فقد انسحبت وتوجه معظمها إلى مناطق القلمون ودرعا، وفق المعلومات.
ولم تخرج القرى الثلاث التي تقطنها عشيرة الشعيطات (أم حمام – الكشكية – غرانيج) عن سيناريو المبايعة، والتعايش مع الواقع الجديد الذي فرضته قوة «داعش» وانتصاراته في أرجاء الريف الغربي والشرقي لدير الزور. وبذلك يكون التنظيم قد سيطر بالقوة والترهيب خلال أشهر قليلة على مكوني الثروة والسلاح في ريف دير الزور، مستفيداً من خلافات المجموعات المسلحة وتناحرها وتسابقها على الظفر ببعض المكاسب من الآبار النفطية ومعامل الغاز ومحطات الكهرباء.

فرصة التغيير

يختلف أبناء الدير في تفسيرهم لأسباب المواجهة القائمة حالياً بين تنظيم «داعش» وعشيرة «الشعيطات»، فهناك من ينظر إليها من منظور الإيرادات الهائلة التي كان يحققها مسلحو الشعيطات من جراء سيطرتهم على نحو 21 بئرا نفطية وفقدوها مع سيطرة التنظيم عليها. والبعض الآخر يقرأ الوضع بصورته الكلية، فيتحدث عن تحولات عميقة في الحاضنة الشعبية، التي عانت كثيراً الإهمال وصعوبة العيش خلال السنوات السابقة، في الوقت الذي كانت فيه المجموعات المسلحة، على اختلاف تسمياتها ومرجعياتها، تكسب يومياً مئات الملايين من الليرات، سواء عبر المتاجرة بالنفط المسروق، أو بيع السلاح، وازدادت الأمور سوءاً مع دخول داعش، وما فرضته من أحكام قاسية، لتصبح شرارة الانتفاضة الشعبية بانتظار من يشعلها، بغض النظر عن ماهية أهدافه وطموحاته، أكانت مشروعة أو غير مشروعة. وعند انطلاقتها، لم تتردد هذه «الانتفاضة» في طلب ود الدولة وحمايتها ودعمها، ففي النهاية لم يكن جميع أفراد عشيرة الشعيطات هم من «انتفضوا» ضد الدولة بداية الأزمة، وهاجموا وحداتها العسكرية، لكنهم جميعاً مستهدفون اليوم من «داعش»، بدليل أن الكثيرين ممن ذبحوا في القرى الثلاث كانوا كباراً في السن، وفتياناً لم يتجاوزوا بعد سن المراهقة. وثمة روايات مرعبة يجري تداولها في هذا الشأن، من قبيل ما أكده مدير مؤسسة حكومية ينحدر من محافظة دير الزور، من أن التنظيم الإرهابي أغرق «ما يقرب من 80 شاباً بنهر الفرات بعد ربط كل منهم بـ«بلوك» إسمنتي، وذبح كبار السن بمن فيهم العاجز عن الحركة وحتى الضرير، فضلاً عن اختطاف مئات الشباب واقتيادهم إلى العراق…».
ويرى البعض من أبناء الدير أن تجاوب الدولة السورية مع مناشدة أبناء عشيرة الشعيطات لمدهم بالسلاح والدعم اللوجستي في مواجهة «داعش» من شأنه تغيير المعادلة الميدانية كاملة في المنطقة الشرقية للأسباب التالية:
ــ قدرة عشيرة الشعيطات، البالغ تعداد أفرادها ما يقرب من 150 ألف شخص، على تجنيد أكثر من 20 ألف مقاتل، ومثل هذا العدد باستطاعته فيما لو درب وجهز جيداً على يد الجيش السوري تغيير الموازين على الأرض في المنطقة الشرقية وخلال أشهر قليلة جداً… فكيف سيكون الحال إذا تكاتفت جميع العشائر وقاتلت إلى جانب الجيش السوري؟
ــ إعلان بعض الفصائل المسلحة والمسلحين المنحدرين من مناطق العشارة – الشحيل – الشعيطات المنتشرين في مناطق القلمون ودرعا رغبتهم في إجراء مصالحة مع الدولة ليتفرغوا لمقاتلة «داعش» في دير الزور، ما من شأنه تمهيد الطريق لخلخلة بنية التنظيمات المسلحة الموجودة في هذه المناطق، وتحييد فصائل عدة عن قتال وحدات الجيش السوري.
ــ تسريع جهود المصالحة في محافظة دير الزور، وتوحيد جميع الجهود لمواجهة تنظيم «داعش»، الذي بدأ خطره يظهر تدريجياً مع انتشار خلاياه ومؤيديه في معظم المناطق السورية، وما يثار عن تورط مسلحين من عشيرة الشعيطات في استهداف وحدات الجيش ومؤسسات الدولة يجب ألا يحول دون استثمار هذه الفرصة. وهنا ثمة اقتراح يقضي بتطبيق بنود المصالحات التي جرت في المعضمية والقدم وبرزة والقابون وغيرها على مشروع المصالحات المقترحة في دير الزور.
موقف الدولة السورية كان في بداية الأمر حذراً بعض الشيء، بالنظر إلى بعض الهواجس، رغم الدعم الذي قدمه سلاح الجو، لكن مع فظاعة المجازر المرتكبة بحق أبناء ريف دير الزور، حسمت الدولة موقفها وبدأت بتنفيذ خطوات عملية. ووفق ما علمت «الأخبار» فقد تقرر إقامة معسكر تدريبي لأبناء المنطقة الشرقية الراغبين في مقاومة «داعش»، وتقديم مختلف أشكال الدعم العسكري واللوجستي إليهم، فضلاً عن فتح الباب أمام مسلحي المنطقة الشرقية لتسوية أوضاعهم والالتحاق بالمعسكر التدريبي المذكور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.