الطفولة السورية إلى أين؟!

الطفولة السورية إلى أين؟!

سوريا الإعلامية | إعداد : لبنى البدوي
“إذا لم نتمكن من فعل شيء، فإن جيلاً كاملاً من الأبرياء سيصبح ضحية لهذه الحرب المروعة”

في ظل مآسي الحرب المدمرة من عمليات القتل ومشاهد العنف، ولد ونشأ أطفال ترسخت في نفوسهم وعقولهم نزعة انتقامية ضد أوضاع مأساوية عايشوها.
وتزامناً مع الحرب المستعرة في سوريا، كانت قوافل الشعب السوري تعبر حدود الدول المجاورة لسوريا، الأردن، تركيا، ولبنان الذي حظي بالعدد الأكبر بحسب إحصائيات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في لبنان.
photoففي أول دراسةٍ لها متخصصة بالأطفال السوريين اللاجئين، تحدثت مفوضية شؤون اللاجئين عن أولئك الذين يعيشون في لبنان، إلا أنه لا يمكن تجاهل الكثير ممن لجؤوا إلى بلدانٍ أخرى كالعراق وتركيا. حيث أشار التقرير إلى أن أكثر من 70000 أسرة من اللاجئين السوريين يعيشون دون رب الأسرة، وأكثر من 3700 طفل سوري لاجئ قد فقد كلاً من والديه أو انفصل عنهما، وفي الكثير من الحالات لم يبتعد هؤلاء عن أهلهم فقط بل هم حتى الآن لا يملكون أدنى فكرة عن مكان تواجدهم.
هذا وقد صرّح المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (أنطونيو غوتيريس) في بيانٍ للمفوضية: “إذا لم نتمكن من فعل شيء، فإن جيلاً كاملاً من الأبرياء سيصبح ضحية لهذه الحرب المروعة”.

Children-recruitsكثير من الصحف الأميركية والبريطانية أولت اهتماماً بالأزمة السورية المتفاقمة، وقالت إحداها إن الحرب تركت تداعيات سلبية على مستقبل الأطفال السوريين، وقالت أخرى إن سوريا تشكل مصدرا للتهديدات والمخاطر للغرب في المستقبل.
تلك الحرب التي تركت آثاراً سلبية على الأطفال أكثر ما يكون، وتسببت في ضياع جيل بكامله، معاناة الأطفال السوريين من الأزمة في بلادهم هي الأكبر، فلسبب يجهلوه وجد كثير منهم أنفسهم بعيداً عن منازلهم، في العراء أو في خيام لا تقي كثيرا من برد أو مطر.لجأ هؤلاء الأطفال مع أهاليهم، إلى أماكن يرونها أكثر أمناً، داخل حدود سوريا أو خارجها، إلا أن نجاتهم من الحرب والاقتتال لم تضع حدا لمعاناتهم.
في الحرب التي استبدلت فيها ثقافة المحبة والتسامح بثقافة السلاح والقتل يطفوا على السطح جيل جديد من الأطفال واليافعين، جُرد من معظم إن لم نقل من كل صفاته الطفولية البريئة، والتف برداء الأزمة فتحولت ألعابهم التقليدية إلى ألعاب مرتبطة بالصراع الدائر على الأراضي السورية مجسدة ثقافة السلاح، هذا على مستوى الأطفال دون سن الرابعة عشرة، أما من هم فوق هذا السن فقد جسدوا هذه الثقافة في المعركة الحقيقية وتحول ابن الخامسة عشرة والسادسة عشرة إلى مقاتل يحمل السلاح ويشارك بالمعركة ويطلق النار ويقتل، بعد أن كان متفرجاً عن بعد وخائفاً في بعض الأحيان، وهذا تطور خطير جداً في الأزمة السورية بحسب خبراء علم النفس والاجتماع.
فبعد ثلاثة أعوام من القتل والتدمير والإحتراب والمعاناة في سوريا، تواصل المنظمات الإنسانية والأممية إطلاق نداءات الإستغاثة والتحذير والإستنكار، وسط تهديدات بتقليص المساعدات بسبب تراجع التمويل، وفي ظل تفاقم الإنتهاكات بشتى أصنافها التي لم يسلم منها الأطفال من تجنيد، وقتل، وتنكيل واغتصاب، ما يعني تهديد مستقبل أجيال بأكملها والمخاطرة بمصير بلد برمته.
إرهابيين أطفال-w450في هذا السياق، اتضح أن نصيب أطفال سوريا لم يقتصر على التعرض لعمليات القتل والتجنيد والتعذيب والتنكيل والإغتصاب، بل أيضاً على الحرمان من التعليم حيث ما يقارب من ثلاثة ملايين طفل في الداخل السوري أو في دول مجاورة، غير قادرين على الذهاب إلى المدارس بانتظام حيث يشكل هذا الرقم نصف سكان سوريا ممن هم في سن الدراسة.
ففي لبنان مثلاً هناك أكثر من 400 ألف طفل سوري يحتاجون اليوم وأكثر من أي وقت إلى حلول جذرية لوضعهم بعدما أضحوا فرائس لعصابات المخدّرات وتجارة الأعضاء وشبكات الجنس المنتشرة في مناطق لبنانية كثيرة. والسبب الرئيس وراء ذلك كما يوضح مدير الإعلام الإقليمي في منظّمة الأمم المتحدة «يونيسيف» سايمون إنغرام أنّ الأسر السورية لم تعد قادرة على إعالة أطفالها فتدفعهم إلى سوق العمل حيث يواجهون تحدّيات كثيرة كسوء التغذية، البرد، الأمراض، إضافة إلى مشاكل أكبر كالتعنيف. ويحذّر إنغرام من تفاقم سوء أحوال أطفال اللاجئين السوريين كلّما طالت الأزمة في بلادهم، خصوصاً أنّهم الفئة الأكثر تضرّراً. لكن مثل هذا التحذير لا يلقى أي آذان صاغية في الشارع حيث يُترك الأطفال السوريون لمصائرهم المجهولة، مع اضطرارهم إلى التنقّل بين النوادي الليلية والحانات بهدف استعطاف الساهرين ومحاولة بيع ما يحملونه من بضاعة.

أطفال-سوريافئة الأطفال التي تتصف بالبراءة والنقاوة هي من أكثر فئات المجتمع السوري التي تعرضت ومازالت تتعرض لأفتك أساليب الحرب الخاصة التي غزت عقول الأطفال لتزرع فيهم ثقافة الموت والخوف والرعب واليأس والإهانة، إلا أن الطفل الذي ينشأ هكذا لا يعرف بأن مستقبلاً حافلاً بالعديد من مفترقات الطرق ينتظره، وعليه أن يتدرب على ثقافة تساعده على مواجهة مصاعب الحياة بشكل سليم وصحي بعيداً عن تلك التشوهات النفسية والاجتماعية.
نعم الأطفال السوريون يتعرضون كل يوم لانتهاكات جسيمة، تنذر بكوارث تهدّد مستقبلهم، كما تنزع عنهم سمات الطفولة، وهم بدورهم يمثّلون مستقبل بلدهم، فأي مستقبل سيكون غداً وأي مستقبل ننتظره إن لم تسارع تلك الضمائر الحيّة والأيادي البيضاء في المساعدة والتحرك لحماية تلك الطفولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.