الإعلام وفن قيادة العقول

سوريا الإعلامية | خاص | دمشق | إعداد : لبنى البدوي

“اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس” إنها خدعة الإعلام الجديدة وكذب الصورة المفبركة وتشويه الحقائق, أكثر الناس الأن أصبحت تعتمد على مشاعرها وتغلق على عقولها عندما تستمع أو تقرأ خبراً وتصدق وتثق تمام الثقة فيمن يقولها وكأنهم رسل موحى إليهم.
المذيعة كانت متأثرة وتبكي.. لديهم صور وفيديوهات تثبت صحة كلامهم.. يحضرون ضيوفاً يتشدقون بإثباتات لتدعم كذبهم…إلخ, كل هذه وتلك من القناعات التي بنوها بداخلك هم أعلم لماذا يكذبون وأي الأطراف يخدمون بها.

مايفعله الإعلام الأن من قيادة للعقول وبرمجتها شبيه فيما مضى حيث كان الروس يلجئون إلى فصل السجين عن الآخرين ويحاولون انتزاع الاعترافات المطلوبة عن طريق التحقيق المتكرر مما قد يغير من اتجاهاته سواء بالإكراه أو عدم القدرة على التحمل فيرضخ للمعتقد الجديد, ويعد هنتر عام 1951 أول من أشار لمفهوم عملية تنظيف الدماغ التي كان يقوم بها الصينيون بقصد تخليصهم من المعتقدات الغير مرغوب فيها للتعايش مع النظام السائد آنذاك. فمن نافلة القول الأن أن نتحدث عن ضرورة وأهمية أجهزة الإعلام للسيطرة وغسل عقل المشاهد أوالقارئ وبث الأفكار التي تريدها فقط ومنع الأفكار التي ترى أنها لا تخدم مصالحها, لقد أضحت بالفعل وسائل الاعلام الجماهيري من أعظم أدوات السيطرة على الجماهير ومن العناصر الأساسية لللعبة السياسية الاجتماعية التي صنعتها أنظمة الحكم لتحقيق مصالحها وتخدير الشعوب وإيهامها بأنها الأقدر على معرفة ماينفعها وبالتالي عليها تسليم القيادة لها.
dont-let-the-media-control-your-mindوليس هناك أدل على ما نقول من وجود قنوات للإذاعة والتلفزيون تحت السيطرة الكاملة للحكومات أو لأشخاص وأطراف معينين لهم مصالحهم الخاصة حيث يتم وضع سياسات إعلامية محددة وموجهة لخدمتهم, فعن طريق هذه الأجهزة الإعلامية شهدنا أمجاداً تصنع في الخيال ورأينا معارك وانتصارات لا توجد في الواقع فقط لأن الإعلام أرادها وزينها فوجدناها, بل ورأينا هزائم يتم تحويلها لانتصارات بأمر الإعلام وخير مثال لدينا مايحدث الآن في نقل أحداث ومجريات الأزمة السورية الراهنة.
فبإلقاء نظرة حيادية موضوعية على الإعلام المرئي السوري والخارجي بشكل عام عندما يتم نقل خبر ما في ظل هذه الأزمة كثيراً ما يتم استخدام من الألفاظ والكلمات ما يثيرون به مشاعر متابعيهم ويحركونها في الاتجاه الذي يريدون ضد أو مع حدث ما أو طرف معين من أطراف الأزمة, ويجيدون ذلك إن كانوا يريدون بهذا الخبر إثارة مشاعر الغضب والعنف والسخط والكراهية أو العكس وقد يضيفون إليها بعضاً من الصور والمشاهدات وبالتالي يؤثرون على حاستي السمع والبصر ويصرفونك عن أن تمرر ما يلقى عليك إلى عقلك لتفكر فيه بحكمة وتحليل علمي, لتأخذ المعلومات بسطحية وبوجهة نظرهم وليس برأيك الذي كونته بعد بحث دقيق وتفكير سليم, وهذا سيؤثر مع مرور الوقت على قناعاتك كمواطن سوري أو كمراقب عربي أو غربي.

وإن استطاعوا أن يجعلوك تكوّن الفكرة التي يريدونها أن تنشأ لديك اتجاه هذا الطرف أو ذاك من أطراف الأزمة فيبدأون في انتقاء الأخبار والمواقف التي تحدث – أو التي لم تحدث من الأساس- والتي تخدم هدفهم كما تفعل أغلب القنوات العربية ومنها الجزيرة والعربية حيث يجيّرون الخبر وفق مصلحتهم وغايتهم, ومنهم من يغضوا البصر وبالتالي بصرك عن أي جانب آخر إيجابي أو سلبي لهذا الطرف أو الحدث مما يحدث في سوريا كما تفعل معظم القنوات العالمية مثل البي بي سي وفرانس24 ,وهذا ما نراه في بعض برامج ” التوك شو” الشهيرة عندما يتحاورون عما يحدث دون حيادية وموضوعية, ويشككون ويخونون طرف ويشوهون صورتهم أو يبرهنون ويجملون لصالح اتجاه آخر على طول الخط كما نقول.
وفي الطرف الأخر هناك من ينتقي من الأخبار وينقب عما يقابل حاجة “في نفس يعقوب” ويغييب أي شيء أخر أو يأجله حتى إشعار أخر كما تفعل أغلب قنواتنا السورية مثل سما والإخبارية والفضائية السورية وشام إف إم وتتبع سياسة “التكتم الإعلامي” والتغييب القسري أو الطوعي بحسب سياستها الخاصة.

من جهة أخرى نرى الإعلام الالكتروني الذي انتشر مؤخراً وأصبح من أهم الوسائل التي تساعد على نشر أكاذيب بعض الأجهزة الإعلامية والمؤثرة والسريعة فعلاً في تداولها بين الناس و خاصة الشباب وهي من الأساليب المفضلة للكثيرين من الإعلاميين حيث نرى ذلك بوضوح في الصفحات والجرائد والمجلات والمواقع الإلكترونية حيث يقومون بنشر خبر بدون أدلة موثوقة ويعلمون أن هناك من سيقوم بنقلها فوراً خدمةً لهم بدون وعي منه حيث من كثرة تواجدها على كثير من المواقع يبدأ الآخرون في تصديقها وخاصة في الفيس بوك وعدوى المشاركة أو ما يعرف بالـ “شير”, فعندما نسأل أحدهم هل تأكدت من صحة هذا الخبر الذي نقلته؟
imagesيكون الرد نعم فهو منقول من صفحة كذا!, ولكن عذراً من هم كذا؟! إنها صفحة على الإنترنت ربما تكون وهمية فالبعض يعتقد أن أي شيء على الإنترنت يكون مصدر ثقة وهي قناعة غير صحيحة أبداً.

في النهاية الحوار مع إدارات هذه الأجهزة الإعلامية ومؤسسيها ليس مجدياً بل عقيماً لأنهم يعلمون ماذا يعملون ويقدمون على هذا السلوك ولهم أهدافهم وسياساتهم ومناهجهم, والقضية ليست خطأ في التفكير أو عن سوء فهم بل مع سبق إصرار كما يعبر أهل القانون, تعويلنا الوحيد هنا على وعي المشاهد أو القارئ وتحرّيه للحقيقة أينما كانت ومتابعته لأكثر من مصدر للخبر أو المعلومة للمقارنة بينها واستخلاص الخبر الصحيح بطريقة علمية وبتفكير سليم من دون أن تغريه التزييفات والتحريفات أو تتلاعب بعقله.
أخيراً علينا أن لا نتهاون في هذا الجانب فمازالت ذاكرة التاريخ تؤشر إلى أن الكثير من الحروب كانت نتاجاً من الإعلام وحتى لا يعيد التاريخ نفسه!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.