داعش وفخّ التوسّع

داعش وفخّ التوسّع

باشرت وحدات الجيش العربي السوري بتنفيذ العديد من العمليات الإستباقية على أكثر من محور في سورية.
ففي حماه استعاد الجيش السوري سيطرته على رحبة خطّاب وهي موقع هام للجيش السوري يحتوي مستودعات كبيرة كانت الجماعات المسلحّة قد سيطرت عليه سابقاً.

وفي جوبر تعمل وحدات الجيش على تثبيت مواقع جديدة لها في البيوت العربية وتحاول دفع قوات من النخبة عبر عمليات محدودة في سياق عمليات قضم بطيئة ولكنها مؤثرة وموجعة.
أمّا في المليحة، فيبدو أنّ الجيش السوري في صدد إطلاق عملياته النهائية بالتوازي مع أعمال وحداته في جوبر لعزل المنطقتين عن بعضهما بشكل نهائي.
كما عمل الجيش على تحصين جبهتي حمص وحماه ومعهما الريف الشرقي الجنوبي لحلب في محيط مطار كويرس.

من جهة أخرى، فإنّ إعادة تموضع وحدة حماية الفرقة 17 في الرقّة تمّت بشكل سلس عبر انسحاب الوحدة إلى عين عيسى شمال الرقّة، مكان تموضع اللواء 93 وبخسائر معقولة، بموازاة إنجازات هامّة في جنوب الحسكة في أماكن تموضع الفوج 121.

أما المهمّة الأبرز، فكانت استعادة الجيش العربي السوري سيطرته على جبل الشاعر وكافّة التلال المحيطة به، ليكسر بذلك خطة كبيرة تتجاوز في أهدافها سيطرة “داعش” على حقول النفط والغاز وهو موضوع بحثنا الرئيسي.

وقبل الدخول في الموضوع لا بدّ من الإشارة الى أنّ “داعش”، إضافةً لوجوده الرئيسي في الرقّة ومناطق كبيرة من دير الزور والحسكة، لا زال يحافظ على بؤر هامّة في حلب وتحديداً في الريفين الشرقي والشمالي، إضافةً الى تواجد معقول في الغنطو بجوار تلبيسة في ريف حمص. كما أن لتنظيم “داعش” تواجد في العقيربات وجوارها شمال جبل الشاعر وجنوبي حلب حيث انطلقت  قواته الى جبل الشاعر، إضافةً لبؤر دخلت في معركة سيطرة مع “جيش الإسلام” في الغوطتين الشرقية والجنوبية بجوار دمشق.

وعليه يصير ملحّاً أن نفهم الأسباب الحقيقية لتقدم داعش باتجاه جبل الشاعر وما هي الأهداف الحقيقية لهذا التقدّم؟
بالنظر الى الخارطة المرفقة نرى أن مدينة تَدمر التي تقع جنوب جبل الشاعر تشكّل مفترق طرق في كل اتجاهات سورية ويمكن القول إنها قلب المنطقة الوسطى التي تربط بين مناطق الثقل الإستراتيجي لسورية من العاصمة دمشق الى الساحل وحلب مروراً بحمص وحماه.

ولم تكن خفيّةً وجهة “داعش” بعد سيطرته على جبل الشاعر، خصوصاً أنّ السيطرة على جبل الشاعر سبقتها محاولة تقدم لـ”داعش” من عقيربات باتجاه الرهجان القريبة من خناصر لتشتيت جهد الجيش العربي السوري، فيما كان الهدف هو جبل وحقل الشاعر كمقدمة للتقدم باتجاه السلمية ما يحقّق عزل حلب مجدّداً وخلط الاوراق على جبهتي ريف حماه في مورك تحديداً وريف حمص في تلبيسة والرستن.

الهدف الأبعد لـ”داعش” هو الوصول الى الساحل، ويبدو ساحل الشمال اللبناني هو الهدف في خطته لاتصال ريف حمص بعكار شمال لبنان.
أمّا الخطّة المركزية لـ”داعش” تستهدف إعادة الأمور الى نقطة الصفر من حيث انطلقت الجماعات المسلحة في بداية هجماتها منذ ثلاثة سنوات ونصف من خلال السيطرة على حمص ومحاولة إسقاط العاصمة دمشق.

إنها خطّة على ما يبدو تصطدم بعدم إمكانية التحقق. فما فعله تنظيم “داعش” في العراق يبدو أنه غير متوفر له في سورية.
وبالنظر الى الانسحاب الذي نفذّه عناصر حماية مقر الفرقة 17 وعملية استعادة السيطرة على جبل وحقل الشاعر، يتبيّن لنا أنّ الجيش السوري يمسك جيداً بزمام المبادرة وأنّه قادرٌ على تحريك وحداته بمرونة عالية رغم انتشار هذه الوحدات على مساحات واسعة من الأرض السورية.

والخبراء والقادة العسكريون يدركون مدى صعوبة أن تنفذ وحدة من حوالي 400 عنصر انسحاباً يمتّد على مسافة 45 كلم، وهي المسافة الفاصلة بين مقّر الفرقة 17 وعين عيسى حيث يتمركز اللواء 93، خصوصاً أن هذا الإنسحاب تمّ في أرض يشرف عليها “داعش” بشكل شبه كامل، وما يؤكد أن هذا الانسحاب هو انسحاب عملياتي ضمن مهمات إعادة التموضع هو الإبقاء على وحدات من القوة المنسحبة في الرحيات وهي بلدة تقع بين مقر قيادة الفرقة 17 واللواء 93 .

إن فشل “داعش” في إبقاء جبل الشاعر تحت سيطرته لا يعني أنه سينكفئ عن العمل لتحقيق أهدافه المعلنة في المنظور القريب والبعيد، نظراً لوجوده في المنطقة الشرقية المتصلة بالعمق العراقي.

ولأنّ المناطق الفاصلة بين مناطق تواجد “داعش” في المنطقة الشرقية ترتبط بالمنطقة الوسطى وريف دمشق بمنطقة البادية السورية شرق وجنوب تدمر، (وهي منطقة شاسعة لا يمكن لأي جيش أن يغطيها ويسيطر عليها سيطرة كاملة)، على الجيش العربي السوري أن يتصرّف بما يمكّنه من صدّ اية هجمات محتملة ويكون ذلك عبر:
1- تحصين مداخل المنطقة الوسطى في مناطق تدمر امتداداً الى حمص وحماه غرباً وحلب شمالاً، عبر إنهاء بؤر “داعش” في هذه المناطق والقضاء عليها.
2- تفعيل الإستعلام الإستخباراتي في مناطق تواجد “داعش” الرئيسية.
3- زرع وحدات استطلاع على كل طرق التقدم المحتملة لـ”داعش” بين المنطقة الشرقية وأرياف حلب وحمص وحماه ودمشق.
4- إنشاء وحدة متحركة تعمل عبر الجو يتم إنزالها في مواضع تقدم “داعش” المحتملة عند الضرورة، تعمل بشكل كمائن كبيرة بالتعاون مع الحوامّات وسلاح الجو، على تدمير أية قوات متحركة لهذا التنظيم.
5- إبقاء مقرات قيادة “داعش” وأرتالها وثكناتها تحت الضربات الجوية بشكل متواصل وعدم إعطائهم فرصة الحشد والاندفاع.
6- تفعيل المواجهة الإعلامية مع “داعش” على الفضائيات ووسائل التواصل الإجتماعي عبر متابعة بيانات “داعش” التضليلية وفضح ممارساته.

وقد يبدو للمتابعين أن “داعش” هو ذاك الغول الذي يستطيع بلع كل شيء، إلاّ أنّ نتائج المواجهات الأخيرة بين هذا التنظيم الإرهابي والجيش السوري أثبتت قدرة الجيش على التحرك بسرعة، إضافةً الى حسن تنفيذ المهمات بموازاة التخطيط الجيد، ومن هنا سيكون توسّع “داعش” عبئاً كبيراً عليه بمواجهة جيش يعرف كيف يخطط وينفذ مهماته.

ضابط سابق (خريج الأكاديمية العسكرية السوفياتية).
سلاب نيوز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.